الهدى – بغداد..
تشتعل شوارع العاصمة بغداد يوميًا بلهيب محركات ملايين العجلات المتدفقة، في مشهد فوضوي بات يشكل كابوسًا يوميًا للسكان والزوار.
حركة السير لا تحكمها القوانين بقدر ما تحكمها الفوضى والسباق المحموم للوصول إلى المقاصد، حيث تتجسد المشكلة في تصرفات المواطنين التي تحوّل الشارع من صديق إلى ساحة معركة، من الركن العشوائي الذي يضيق الطريق، إلى الانشغال بالهاتف الذي يعيق الحركة، مروراً بتوقف المركبات المعطلة في قلب الشوارع الحيوية.
وهذا الواقع دفع بزائر العاصمة، أبو ستار الكربلائي (54 عامًا)، للتعبير عن استغرابه الشديد، فبعد أن قطع المسافة من كربلاء إلى بغداد في ساعة ونصف، وجد نفسه يعاني ضعف هذه المدة داخل طرقات العاصمة للوصول إلى وجهته.
وفي نقد لاذع لواقع الشارع، صوّب الكربلائي سهام النقد لا نحو الحكومة هذه المرة، بل نحو مفتعل الأزمة الحقيقي: المواطن نفسه.
ويؤكد الكربلائي، أن الالتزام بقواعد السير وامتلاك حس المسؤولية واحترام رجال المرور والملك العام هي عوامل أساسية للتقليل من الازدحام، مشدداً على أن “السيارة تحولت من وسيلة لخدمة الإنسان إلى نقمة عليه” بسبب هذه الفوضى.
خبراء يضعون النقاط على الحروف
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي دريد الشاكر العنزي، أن المشكلة أعمق من مجرد تصرفات فردية؛ فالواقع يشير إلى أن ارتفاع مستوى الدخل لدى بعض الفئات أدى إلى انتشار واسع لظاهرة شراء السيارات بمختلف الأنواع والأحجام.
لكن المشكلة الأساسية، برأيه، تكمن في سوء آلية الاستيراد والقبول، حيث فُتحت جميع المنافذ الحدودية في الدولة الاتحادية أمام دخول السيارات، ليصبح استيرادها لا يقل أهمية عن استيراد الغذاء، مما تسبب في هذا “العدد الخيالي” من المركبات.
ويشدد العنزي على أن “الموضوع يحتاج إلى إدارة وتنظيم”، موضحًا أن الاستيراد عبر شركة عامة واحدة وتحت إشراف الدولة كان سيسهم في تقليص هذا التدفق الهائل لمركبات متنوعة بين وارد أمريكي مستعمل ومُصلح، وسيارات تدخل من دون ضوابط من الإقليم.
وحذر الخبير الاقتصادي، من أن الوضع الحالي كلّف الاقتصاد العراقي مليارات يوميًا، سواء عبر استهلاك الوقود، أو التلوث البيئي، أو زيادة الحوادث المرورية، مشيرًا إلى أن الالتزام بالأنظمة المرورية شبه معدوم رغم وجود كاميرات المراقبة.
كما لفت إلى أن “توسع أعداد السيارات لم يواكبه توسع في الشوارع بالوتيرة نفسها”، فمقابل بضعة آلاف من الكيلومترات من الطرق، دخلت ملايين السيارات الجديدة، ما خلق اختناقات خانقة في كل الطرق الرئيسية.
وبين العنزي أن الحلول تتجاوز مجرد فرض الرسوم والضرائب، لتشمل إجراءات إدارية صارمة مثل تحديد عمر السيارات المسموح باستيرادها، وإخضاع السيارات القديمة (مثل موديلات السبعينيات والثمانينيات) لإجراءات التسقيط مع تعويض أصحابها.
لكنه أكد أن “المشكلة الحقيقية أننا نفتقر إلى تخطيط مدن حقيقي”، وأن الإصلاحات التجميلية في بعض الطرق لا تحل الأزمة بل تنقلها إلى أماكن أخرى، داعياً إلى دراسة معمقة وشاملة تشمل الاستيراد، آليات الدوام، نظام الزوجي والفردي، وضرورة تفعيل النقل الجماعي.
المرور والنقل: خطط للحلول وسلوك السائق عامل حاسم
وفي إطار الجهود الرسمية، أوضح المتحدث الرسمي باسم مديرية المرور العامة، العقيد حيدر شاكر، أن المديرية تعمل على برنامج متكامل لتعزيز ثقافة السائقين وإرشادهم إلى الاستخدام الأمثل للطريق، وهناك تنسيق حقيقي مع أمانة بغداد ووزارة النقل لتحسين وتطوير واقع الطرق.
وأشار شاكر إلى أن أبرز المخالفات التي تؤثر في حركة السير هي الوقوف العشوائي في المناطق التجارية، مشدداً على أن المديرية تعمل وفق قانون المرور رقم 8 لسنة 2019 الذي يحدد المخالفات ويفرض الغرامات على المخالفين.
كما أكدت وزارة النقل عبر متحدثها الرسمي ميثم الصافي، أنها افتتحت 43 خطاً جديداً للنقل الجماعي داخل بغداد، وأكثر من 90 خطاً في المحافظات، ضمن خطة شاملة تهدف إلى تخفيف الزحام.
وأرجع الصافي تفاقم الاختناقات إلى الزيادة السكانية داخل العاصمة وضيق الطرق والبنى التحتية والتوسع العمراني غير المنظم.
واقترح الصافي، تقييد امتلاك أكثر من سيارة للأسرة الواحدة أو فرض رسوم إضافية على السيارات الخاصة، مبينا ان ذلك قد يسهم في الحد من الأزمة.
وأشار إلى أن الحلول المعتمدة تشمل تنظيم النقل الخاص عبر مشروع التكسي الوطني، وإنشاء مرائب حديثة، وزيادة خطوط النقل الجماعي، ودعم المشاريع الاستراتيجية مثل مترو بغداد الذي سيغطي 85% من مساحة العاصمة.
وختامًا، شدد الصافي على أن “سلوك السائقين والمواطنين يعد عاملاً مؤثراً في تفاقم أو تخفيف الزحام”، داعياً إلى نشر ثقافة السلوك الحضاري في القيادة.
غياب النقل الجماعي وتوسيع البطالة
من جهته، بيّن الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، أن غياب سياسة فعالة للنقل الجماعي المنظم هو أول المشكلات المسببة للازدحام، حيث يستمر الاعتماد على وسائل النقل التقليدية في ظل توسع سكاني كبير وثبات التخطيط الأساسي للعاصمة.
ولفت إلى أن إلغاء قرار “التسقيط” السابق سمح بتوسع عمليات الاستيراد بشكل هائل، وأن اتخاذ السيارة وسيلة النقل الوحيدة دون بدائل فاقم المشكلة.
وأكد محمد علي، أن إيقاف الاستيراد غير منطقي في ظل عدم ضبط منافذ الإقليم، والحاجة المتزايدة لسيارات الأجرة كحل لمعالجة البطالة.
كما نبه إلى أن استمرار الدوائر في العمل الورقي وعدم إنجاز المعاملات عن بُعد خلق حاجة متزايدة للتنقل اليومي وزاد الضغط على الطرق.
ويعود أبو ستار الكربلائي، ليختتم المشهد من حيث بدأ: سيارات متوقفة عشوائياً، أخرى تسير عكس الاتجاه، وسائقون يفاقمون الفوضى بتجاوزهم غير المنضبط للطوابير، بينما يقف رجال المرور حائرين وسط هذا المشهد الفوضوي الذي يختصر تحدي بغداد الأكبر في إدارة حركتها المرورية وسلوك مواطنيها.
