الأخبار

في اليوم العالمي لمكافحة الفقر: استراتيجية عراقية طموحة لمواجهة التحدي

الهدى – متابعات ..

أقرت الأمم المتحدة السابع عشر من تشرين الأول يوماً عالمياً لمكافحة الفقر، في مسعى لتسليط الضوء على المعاناة التي يعيشها ملايين البشر حول العالم نتيجة السياسات غير العادلة وتفاوت توزيع الثروات.

ويهدف هذا اليوم إلى تذكير العالم بمسؤوليته الإنسانية تجاه الفئات المهمشة التي ترزح تحت وطأة الحرمان.

وتواجه الأسر الفقيرة تحديات جمة، أبرزها ضعف فرص التعليم، وانتشار الأوبئة المميتة، وانخفاض القدرة على مقاومة الأمراض، ما يجعلها عالقة في دائرة الفقر.

كما يخلف الفقر تداعيات خطيرة تستهدف استقرار المجتمعات، من تفشي العنف والجريمة إلى تراجع روح الانتماء الوطني.

جهود عراقية لمكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية

وفي العراق، تستعد وزارة التخطيط لإطلاق الاستراتيجية الوطنية الثالثة لمكافحة الفقر للأعوام القادمة، التي تتضمن محاور رئيسة وأنشطة عملية تهدف إلى تقليص نسب الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وفي هذا الشأن، أشار الناطق الإعلامي لوزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، إلى انخفاض معدلات الفقر في العراق خلال السنوات القليلة الماضية، حيث تراجعت النسبة بشكل ملحوظ.

وعزا هذا الانخفاض إلى تأثير السياسات العامة التي اتخذتها الحكومة، والتي تمثلت بتوسعة الشمول لشبكة الحماية الاجتماعية ليشمل عدد كبير من الأفراد.

كما نجحت الحكومة في تحسين السلة الغذائية وتحقيق الأمن الغذائي للفقراء من خلال البطاقة التموينية. ومن السياسات الأخرى دعم الأسر الفقيرة في جانب التعليم، حيث خصصت الحكومة منحة مالية للأسر التي لديها أبناء في الدراسة في المراحل الدراسية كافة وصولاً إلى الدراسات العليا.

كما دعمت الحكومة الفقراء في المجال الصحي من خلال التسهيلات والخدمات المجانية التي تقدم لهم في المراكز الصحية والمستشفيات الحكومية.

وأكد الهنداوي، التركيز على المحافظات التي كانت تسجل أعلى نسب الفقر، وبذلك فقد شهدت محافظات: المثنى، الديوانية، ذي قار، ميسان، ونينوى انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الفقر.

ونوّه بعمل الحكومة على توفير الضمان الاجتماعي للعاملين في القطاع الخاص. وفي الوقت ذاته تستعد وزارة التخطيط لإطلاق استراتيجية مكافحة الفقر الثالثة للسنوات القادمة، وتتضمن سبعة محاور رئيسة تشمل نحو أربعين نشاطاً، وتتمثل هذه المحاور بتوفير الدخل المستدام، وتمكين الفقيرات اقتصادياً، وتحسين مستوى تعليم الفقراء، وتوفير سكن وبيئة مستجيبة لحياتهم، وحماية اجتماعية فاعلة، ومواجهة تداعيات التغير المناخي، وتحقيق الأمن الغذائي، ومواجهة الأزمات التي تؤثر سلباً في حياة الفقراء.

الفقر آفة اجتماعية ذات تداعيات متعددة

من جانبها، أوضحت التدريسية في علم الاجتماع بجامعة النهرين، الدكتورة هبة مجيد، أن لليوم العالمي دوراً أكبر في زيادة الوعي العالمي بقضايا الفقر ودعم الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.

ورأت أن الفقر آفة تسبّب الكثير من المشكلات الاجتماعية، وفي مقدمتها التفكك الأسري وتسرّب الأطفال إلى الشوارع، وكذلك الجهل والأمية والمرض.

ودعت مجيد، بمناسبة اليوم العالمي، المنظمات الإنسانية والدولية والجهات المعنية بحماية الطفولة إلى محاربة الأسباب الأساسية للفقر والوقوف بوجه اتساع رقعته، ومواجهته على عدة مستويات: دولية، ومجتمعية، وفردية، مؤكدة على ضرورة تركيز الحملات التطوعية على مساعدة الفقراء والتوعية بقضايا الحرمان.

وعن التداعيات النفسية التي يسبّبها الفقر، أوضح أستاذ علم النفس في جامعة بغداد، الدكتور أحمد عباس الذهبي، أن في المجتمعات الفقيرة، تتراجع قيم التعاون والثقة المتبادلة لتحل محلها مشاعر الحسد واليأس واللامبالاة.

ولفت إلى أن الأسر الفقيرة تعاني من ضعف في التعليم والصحة، الأمر الذي يُورّث الفقر عبر الأجيال، فتُحرم الأجيال الجديدة من فرص الصعود الاجتماعي، كما ترتفع نسب عمالة الأطفال والتسرّب الدراسي، وتنتشر مظاهر الانحراف والسلوك العدواني كنتيجة طبيعية لغياب العدالة الاقتصادية.

وعن التأثيرات الاقتصادية والتنموية، يؤكد الذهبي أن الفقر يُضعف الاقتصاد الكلي للدولة، إذ يحدّ من القوة الإنتاجية للمجتمع، لا سيما الشرائح الفقيرة، بسبب محدودية الدخل، ما يقلّل من الادخار والاستثمار.

وفي الجانب الاجتماعي، يحدد الذهبي مخاطر جمّة للعوز، موضحاً، أن الفقر يؤدي إلى هجرة العقول والأيدي العاملة بحثاً عن فرص أفضل، فيتراجع النمو الوطني ويزداد الاعتماد على المساعدات الخارجية.

وأشار إلى أن تداعيات الفقر تمتد إلى المستقبل عبر ضعف التحصيل الدراسي للأطفال، وانتشار الأمراض المزمنة، وسوء التغذية، وضعف الانتماء الوطني، والشعور بالظلم الاجتماعي، وزيادة السلوكيات المنحرفة.

واختتم الذهبي حديثه بالقول: “هذه التداعيات تجعل الفقر قيداً دائرياً يصعب كسره ما لم تتدخل الدولة ببرامج جادة وفاعلة”.

دعوة للشراكة وتفعيل المسؤولية الاجتماعية

ووصف الباحث في العلاقات العامة، مصطفى منير، اليوم العالمي لمكافحة الفقر بأنه يمثل فرصة وطنية لإعادة تنظيم الجهود التنموية في العراق ضمن إطار مؤسسي موحّد، لافتاً إلى أن مكافحة الفقر لا تتحقق عبر المساعدات الآنية فقط، بل من خلال بناء شراكات دائمة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

ويعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب إنشاء مجلس وطني للمسؤولية الاجتماعية يتابع تنفيذ المبادرات ويقيس أثرها في الفئات الأكثر هشاشة، داعياً إلى إقرار قوانين تُلزم مؤسسات القطاع الخاص بتطبيق مبادرات واقعية ضمن مسؤوليتها الاجتماعية، تسهم في خلق فرص عمل، ودعم التعليم، والمشاركة في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

وشدّد منير على دور العلاقات العامة في صياغة الرسائل الاستراتيجية، وتنظيم الحملات التوعوية، وبناء الثقة مع المجتمع، ورصد أثر المبادرات في تلبية احتياجات الفئات الأكثر فقراً في العراق.

المنظومة القانونية العراقية لمكافحة الفقر

أما من الجانب القانوني، فقد بيّن الحقوقي، الدكتور ناصر عمران، أن التشريعات والقوانين العراقية شكّلت منظومة عمل متكاملة تسعى إلى المعالجة المستمرة للحد من الفقر، وتستند بشكل كبير إلى أحكام الدستور الذي وضع الأسس العامة للمعالجة قانونياً وإنسانياً، مع الاسترشاد بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادق عليها العراق، فضلاً عن المبادرات التي لجأت إليها الحكومة العراقية في استراتيجياتها للحد من الفقر.

وبيّن أن الدستور العراقي عالج مشكلة الفقر، فوضع في مواده التزام الدولة كفالة الفرد والأسرة في تحقيق حياة كريمة وتحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي، والرعاية الصحية، والتعليم، والإصلاح الاقتصادي.

أما القوانين التي شُرعت للحد من الفقر، فأهمها: قانون الحماية الاجتماعية، وقانون الضمان الاجتماعي والتقاعد للعمال، وقانون تشغيل العمالة الوطنية، وقانون الرعاية الاجتماعية، وقانون ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، وقانون التعليم الإلزامي، وقانون صندوق الإسكان العراقي.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا