بعد ثلاثة أسابيع من الآن تقريبا يخوض العراقيون دورة انتخابية برلمانية جديدة، يختار في الناخبون أكثر من 300 نائب مرشَّح لتمثيلهم في البرلمان العراقي بدورته الجديدة، وتشير بعض الدلائل إلى أن هناك عزوفا أو مقاطعة لهذه الدورة الانتخابية، ونسعى في هذا المقال أن نحدد أسباب هذا العزوف أو المقاطعة، وفي نفس الوقت سوف نذكر المخاطر التي ستلحق بالمواطن العراقي جراء هذا العزوف غنْ حدث بالفعل.
أما أسباب العزوف فقد تكون معروف للناخبين العراقيين، وهناك نسبة منهم لا يعرفونها، وبعضهم ربما لا يعبأ بهذا الأمر، وكأن هذه الانتخابات لا تمس حياتهم، أو كأنها تُجرى في بلد آخر، وهذا النوع من التصرف أو السلوك يدل على عدم معرفة الناخب لقيمة صوته الكبيرة، والتي يتحدد مستقبله على ضوء هذا الصوت وسلامة الإدلاء به.
فهناك نسبة من الناخبين يتعامل مع الانتخابات وكأنها لا تهمه، أو أنها ليست مهمة، وقد يكون السبب في ذلك الأداء الضعيف لأعضاء مجلس النواب كما لاحظنا في الدورات الانتخابية السابقة، ولكن هل يكفي هذا العذر لكي يبرر عدم المشاركة في العملية الانتخابية، وإذا قاطعنا أو عزفنا عن انتخاب من يمثلنا ويتحكم بمصيرنا، هل هذا هو الحل الصحيح؟
بالطبع نستطيع أن نقول بأن كل ناخب لا يستخدم صوته في تغيير النواب الضعفاء إنما يساهم في تكريس هذا الضعف، وهو في ذلك يغامر بحاضره ومستقبله، بل وبمستقبل أطفاله، أو بمستقبل الأجيال القادمة، ولابد أن نذكر هنا بأن الانتخابات هي الفعل الديمقراطي، ويقابله في الإسلام (العمل الاستشاري) الذي تشير إليه الآية القرآنية الكريمة: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون}. (سورة الشورى، الآية: 38).
فهناك توجيه قرآني يحث المسلمين على قضية الشورى، والمشاركة في اختيار الأفراد الصالحين والقادرين على إدارة شؤوننا بشكل سليم، ولا يصح التخلي عن هذا الدور المهم، خاصة إذا عرفنا بأن واقعنا وتفاصيل حياتنا اليومية الحاضرة والمستقبلية مرهون بالالتزام بالشورى، وأهمية المشاركة في هذا العمل المهم لجميع من يُسمَح له باختيار من يمثله.
أما أن نسمح للعمل النيابي الخاطئ بأن يبعدنا عن الحق الانتخابي، فذها سلوك غير سليم، وهو نوع من الهزيمة أمام التحديات التي تواجه الفرد العراقي، والفعل الصحيح هو عدم التخلي عن هذا الدور، وتفضيل المواجهة والمشاركة وصنع التغيير الجيد من خلال المشاركة في الانتخاب واختيار الاصلح والأكثر قدرة وكفاءة من غيره.
للأسف هناك من ينطق بمثل هذه الخيارات البائسة، ويقول أنا أفضّل الحكم العسكري، فهل نسينا الاعدامات، والقمع الفردي والجماعي، والتكميم، وأنواع المنع وكأننا نعيش في سجن كبير، هل نسينا أننا كنا نخاف البوح بكلمة واحدة لأنها قد تقودك إلى الإعدام كونك تعترض على سياسة النظام المستبد؟
بهذه الطريقة سوف نضرب عصفورين بحجر واحد، فنحن سوف نلتزم بانتخاب من يمثلنا أولا، ومن ثم سوف نقطع الطريق أمام العناصر الانتهازية التي تسريد أن تسرق حقنا في الانتخاب السليم واختيار المرشَّح الأفضل من غيره، ونحن نعرف أن هناك من يُقاطع أو يعزف عن الانتخاب لسحب البساط من تحت أرجل الفاسدين، وإسقاط شرعية العملية الانتخابية، ولكن العمل الصحيح هو أن نشارك ونختار البديل الأنسب والأفضل من المرشَّحين.
أما بخصوص المخاطر التي قد يأتي كنتيجة للعزوف أو المقاطعة، فالحقيقة نحن في حال عزفنا أو قاطعنا، إنما نريد أن نفقد فرصة الانتخابات الجوهرية في حياتنا، وكأننا نريد أن نعيد حقبة الانقلابات العسكرية للسيطرة على الحكم وعلى مقدرات الشعب العراقي، فهل نحن بالفعل نرفض شرعية الانتخابات ونريد الحكم العسكري المستبد يعود مجددا ليحرمنا من جودة الحرية، وفوائدها التي لا تحصى؟
للأسف هناك من ينطق بمثل هذه الخيارات البائسة، ويقول أنا أفضّل الحكم العسكري، فهل نسينا الاعدامات، والقمع الفردي والجماعي، والتكميم، وأنواع المنع وكأننا نعيش في سجن كبير، هل نسينا أننا كنا نخاف البوح بكلمة واحدة لأنها قد تقودك إلى الإعدام كونك تعترض على سياسة النظام المستبد؟
لا يصحّ للعراقيين أن ينسوا مرحلة الانقلابات العسكرية والسيطرة على الحكم بطريقة غير شرعية، لأنها جلبت عليهم المصائب ودمرت حياتهم، وسلبت منهم أي نوع من الحريات حتى الصغير والقليلة منها، لذلك فإن أضرار ومخاطر العزوف وعدم المشاركة في الانتخابات تعني المجازفة بالمستقبل الأفضل لأجيالنا القادمة. وأخير ليس لدينا سوى الحفاظ على فرصة التغيير عبر صناديق الاقتراع، حتى لو حدث خروقات هنا أو هناك، فالانتخابات تمنحنا فرصة القدرة على طرد الفاشلين، وإبدالهم بالصالحين عبر الانتخاب وليس عبر الاحتراب والسيطرة على الحكم بالقوة الغاشمة.
