الأخبار

العراق يتجه نحو “المدن الجديدة” كحلٍ لأزمة السكن ومخاوف من ارتفاع الأسعار

الهدى – متابعات ..

في خطوة استراتيجية لمعالجة أزمة السكن الحادة التي تقدر بملايين الوحدات السكنية، أطلقت الحكومة العراقية مشروع “المدن الجديدة” كخيار بنيوي يهدف إلى إعادة التوازن إلى المشهد العمراني وتخفيف الضغط الهائل عن المراكز الحضرية المكتظة.

ويأتي هذا المشروع كجزء من جهود وزارة الإعمار والإسكان لتوفير إطار مستدام للنمو العمراني.

رؤية حكومية لمواجهة الأزمة

وأكد المهندس استبرق صباح، الناطق باسم وزارة الإعمار والإسكان، أن الحكومة العراقية، تسعى من خلال هذا المشروع إلى إدارة أزمة السكن المتفاقمة وتوفير بيئات حضرية متكاملة ومستدامة.

وأشار إلى أن “مشاريع المدن الجديدة التي يجري العمل على إنجازها اليوم خطوة نوعية نحو تحقيق حلم الاستقرار السكني للأسر العراقية”، معتبراً أنها ستمثل “نقطة تحول في المشهد الإسكاني العراقي، تنقل البلاد من واقع سكني متأرجح إلى استقرار حضري قائم على التخطيط العصري والبنى التحتية المستدامة”.

وكشف صباح، عن الاستعداد للإعلان عن فرص استثمارية لإنشاء مدن جديدة واعدة، من أبرزها “مدينة السلام” في النجف الأشرف، و”مدينة المنار” في صلاح الدين، مؤكداً سعي الوزارة لضمان أن تكون هذه المدن حلاً متكاملاً وقابلاً للحياة، عبر المتابعة الدقيقة وتطبيق معايير الجودة للبناء.

تحديات التنفيذ والتنسيق الحكومي

من جانبه، أوضح المهندس نبيل الصفار، مدير قسم إدارة الجودة الشاملة والتطوير المؤسسي في الوزارة، أن الرؤية لحل أزمة السكن تقوم على بناء المدن الجديدة، وهو ما استلزم تشكيل فريق عمل مشترك بقرار من رئيس الوزراء وبالتنسيق مع هيئة الاستثمار ووزارة البيئة وأمانة بغداد والمحافظات ولجنة المستشارين.

وأشار الصفار إلى تأسيس هيئة لتنفيذ المدن السكنية، ووضع معايير خاصة لخدمة المواطن ودعم الفئات محدودة الدخل. وأكد أن التحدي الأكبر كان في ملف الأراضي لتعدد الأطراف المعنية، ما استلزم فك ارتباطاتها وتمليكها للمؤسسات البلدية لتسهيل الاستثمار.

وأشار إلى تطبيق هذا الإجراء في خمس مدن رئيسية هي: الجواهري والورد في بغداد، الغزلاني في الموصل، ضفاف كربلاء، والجنائن في بابل، مع مدن أخرى قيد الدراسة.

وشدد الصفار على أن نجاح هذه المشاريع يعتمد على التنسيق بين الجهات الحكومية، وضبط الروتين الإداري، ومكافحة الفساد، لضمان توفير حلول مستدامة لأزمة السكن.

فجوة بين الخطاب والواقع: الأسعار والرقابة

ورغم التفاؤل الحكومي، تظهر المعطيات الميدانية فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع على الأرض.

فالمواطن العادي يواجه أسعاراً مرتفعة للوحدات السكنية، وتأخراً في تنفيذ المشاريع، وغموضاً في العقود، ما يجعل الوعد بالاستقرار السكني بعيد المنال.

ويثير الاعتماد على المستثمرين الخاصين مخاوف، حيث يركزون على تحقيق أرباح سريعة دون الالتزام الكامل بالجداول الزمنية أو معايير الجودة، يضاف إلى ذلك ضعف الرقابة والمتابعة الميدانية من الجهات الرسمية، مما أدى إلى بقاء بعض المدن الجديدة “نصف مكتملة”.

وفي هذا السياق، أكد خبير التخطيط العمراني، المهندس مهتدي أبو الجود، أن الحديث عن حل دائم من خلال المدن الجديدة “يغيب عن الواقع تماماً”، مشيراً إلى أن المواطن يواجه “أسعاراً خيالية، ومشاريع نصف مكتملة، وعقوداً غامضة تجعل الاستثمار محفوفاً بالمخاطر”.

البعد الاقتصادي والبيئي: الاستدامة والكلفة

من الناحية البيئية، شدد الناشط المدني نورس عدنان، على أن المدن الجديدة تمثل خياراً واقعياً إذا ما ارتبط باستخدام الطاقة الشمسية وإدارة النفايات والمياه بطريقة مستدامة، محذراً من “الخطأ الأكبر أن تُبنى مدن جديدة بمعايير قديمة، دون رؤية خضراء تراعي المناخ والموارد”، مؤكداً أن الاستدامة تتحقق أيضاً عبر إدارة ذكية للبنى التحتية وضمان وصول السكان إلى الخدمات وفرص العمل دون خلق عزلة عمرانية.

على الصعيد الاقتصادي، أوضح الخبير الاقتصادي صالح الهاشمي أن مشاريع المدن الجديدة “لم تُترجم بعد إلى حل فعلي لأزمة السكن”، بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف البناء وأسعار المواد الإنشائية، مما جعل الوحدات السكنية خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين.

ودعا الهاشمي إلى تبنّي سياسة اقتصادية متوازنة تركز على خفض تكاليف الإنتاج، ومراجعة آليات التسعير، وربط المدن الجديدة بشبكات مواصلات فعالة، مشدداً على أن “نجاح المدن الجديدة لا يُقاس بعدد الوحدات التي تُشيَّد، بل بقدرتها على أن تكون ميسورة الكلفة وقادرة على جذب السكان فعلاً”.

وبهذا المعنى، يبقى التحدي الحقيقي للحكومة هو تحويل المدن الجديدة من مجرد مبادرات استثمارية إلى رافعة تنموية حقيقية قادرة على كبح الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات وإعادة التوازن إلى سوق السكن العراقي.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا