الهدى – متابعات ..
تحوّلت مركبة “التوكتوك” ذات الثلاث عجلات في العاصمة العراقية بغداد وعدة محافظات أخرى من مجرد وسيلة نقل بسيطة إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية لافتة، مثلت شريان حياة للعديد من الشباب العاطلين عن العمل، لكنها في الوقت ذاته أثارت جدلاً واسعاً يتعلق بالسلامة المرورية والمظهر الحضري للمدن.
منافس اقتصادي فعال: التوكتوك يتحدى الازدحام ويوفر التكاليف
وبرز “التوكتوك” كوسيلة نقل انسيابية ومنخفضة التكلفة، ليكون منافساً قوياً لسيارات الأجرة التقليدية، خاصة في أوقات الذروة التي ترتفع فيها تكلفة النقل.
وقد أصبحت هذه المركبة التي دخلت العراق عام 2015 “أسلوب حياة يومي” في بغداد ومحافظات أخرى، نظراً لكونها خياراً اقتصادياً مقبولاً، وقدرتها على العمل في الأماكن الشعبية الضيقة والمزدحمة.
ويشرح السائق محمد اليخيتي (ثمانية وعشرون عاماً) من منطقة الأعظمية ببغداد، كيف ساهم “التوكتوك” في تحسين مستوى معيشة عائلته، مؤكداً أنه يمثل فرصة عمل استثنائية للعاطلين.
ويقول اليخيتي إنه بدأ العمل على المركبة بمعدل أربع ساعات يومياً عام ألفين وعشرين، لكن مع ازدياد الطلبات وصل معدل عمله اليومي إلى عشر ساعات، دلالة على تزايد الإقبال الشعبي.
ويعود هذا الإقبال إلى عامل التكلفة والسرعة، حيث يضيف اليخيتي: “لا يتجاوز سعر الطلب الواحد لمسافة قصيرة ألفي دينار، والطلبات الطويلة ثلاثة آلاف دينار، بينما لا تقل أجرة الطلب الواحد في سيارة الأجرة التقليدية عن خمسة آلاف دينار”، فضلاً عن قدرة “التوكتوك” على المرور بسهولة من الاختناقات المرورية، مما يوفر الوقت على الركاب.
تغلغل سريع في المجتمع
ومنذ دخوله، استطاع “التوكتوك” التغلغل بسرعة في المجتمع العراقي وجذب شريحة واسعة من الشباب للعمل عليه.
وتشير إحصائيات شبه رسمية إلى وصول العدد الكلي لهذه المركبات في عموم العراق إلى نحو مليون مركبة.
ورغم عدم وجود أوراق رسمية لعملها كسيارات أجرة، والملاحقات المستمرة من شرطة المرور، فقد نجح “التوكتوك” في التمدد من مدينة إلى أخرى خلال سنوات قليلة.
التوكتوك كحل لارتفاع معدلات البطالة
وتأتي شعبية “التوكتوك” متزامنة مع ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية في العراق، حيث يجد فيه الكثير من الشباب فرصة عمل مناسبة.
فوفقاً لآخر مسح أجرته هيئة الإحصاء الحكومية عام ألفين وواحد وعشرين، بلغت نسبة البطالة ستة عشر فاصلة خمسة بالمائة، وهي نسبة تؤكد مؤسسات غير حكومية أنها ارتفعت خلال العامين الماضيين.
ويعكس ارتفاع سعر المركبة هذا الإقبال، فبعد أن كان سعر “التوكتوك” نحو مليوني دينار عراقي (ألف وأربعمائة دولار أميركي) في عام ألفين وستة عشر، تضاعف السعر أكثر من مرة، خاصة بعد القرار الحكومي الصادر عام ألفين واثنين وعشرين بإيقاف استيراد تلك المركبات، ليصل سعره اليوم إلى نحو ثمانية ملايين دينار (خمسة آلاف وخمسمائة دولار)، وهو سعر كبير مقارنة ببعض سيارات الأجرة التقليدية مثل “سايبا” الإيرانية.
انتقادات حادة: تشويه حضاري ومخاطر جسدية
ورغم المزايا الاقتصادية، يواجه أصحاب “التوكتوك” انتقادات لاذعة من السكان والناشطين الاجتماعيين، تتركز في محورين رئيسيين، الاول هو تشويه المظهر العام للمدن، ما دفع الحكومة لإصدار قرار بحظر استخدامه في بعض المناطق من بغداد، وكذلك في باقي المحافظات، وتحديداً في كربلاء، حيث تنفذ الشرطة المحلية حملات شبه يومية لمصادرة المركبات أو منعها من الاقتراب من الشوارع الرئيسية في أوقات الذروة.
والمحور الثاني هو مخاطر السلامة الجسدية، حيث تُنتقد المركبة لعدم التزامها بالقواعد المرورية وانعدام إجراءات السلامة فيها، ما يعرّض حياة الركاب للخطر.
وفي رده على هذه الانتقادات، أكد السائق حسن المعمولي من مدينة كربلاء، أن الخطر موجود في مختلف وسائل النقل العامة ويعود لتهور السائق وليس للوسيلة نفسها.
أما عن “المظهر الحضاري”، فيرى المعمولي أن “التوكتوك” مثله مثل أي سيارة أجرة موجودة، لكنه أرخص ويحظى بإقبال شعبي واسع.
وأشار المعمولي إلى أنه باع سيارته الأجرة التقليدية عام ألفين وثلاثة وعشرين واشترى “توكتوك” عوضاً عنها لمردوده المالي الجيد، مطالباً الحكومة بترخيص استخدامه كونه يعيل آلاف العائلات.
وفي الختام، يبقى “التوكتوك” قضية جدلية في الأوساط العراقية، توازنت فيها القدرة على الحد من مستويات البطالة وتأمين دخل مالي للعائلات، مع الانتقادات المستمرة حول المخاطر الجسدية وتشويه المظهر العام، مما يستدعي حلولاً قانونية لتنظيم استخدامه وأماكن انتشاره.
