الهدى – متابعات ..
شهدت المحاكم العراقية في الآونة الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في إصدار الأحكام الرادعة ضد المتورطين في جرائم الاتجار بالمخدرات، بالتزامن مع إعلان وزارة الداخلية عن قفزة نوعية في جهود مكافحة الإدمان عبر افتتاح مراكز تأهيل متخصصة.
وهذه التحركات القضائية والأمنية تعكس إصرار الحكومة العراقية على مواجهة آفة المخدرات التي تحولت من مجرد تحدٍ إلى تهديد مجتمعي واقتصادي خطير.
تصعيد قضائي: الإعدام والسجن المؤبد لـتجار المخدرات
وأعلنت محكمة جنايات محافظة الأنبار، غربي العراق، اليوم الاثنين، إصدار حكم بالسجن المؤبد بحق تاجر مخدرات، لإدانته بجريمة الاتجار بالمواد المخدرة.
وأوضح بيان صادر عن القضاء العراقي، أن المدان ضبط بحوزته أربعة آلاف حبة مخدرة من مادة الميثامفيتامين، بقصد الاتجار بها وبيعها بين المتعاطين.
وفي السياق ذاته، أصدرت محكمة جنايات محافظة ميسان، جنوبي البلاد، حكماً مماثلاً بالسجن المؤبد بحق تاجر مخدرات آخر ضبط بحوزته سبعمائة وثمانية غرامات من مادة المثيل أمفيتامين.
وجاءت هذه الأحكام بعد إعلان مجلس القضاء الأعلى مطلع الشهر الجاري عن إصدار حكمين بالإعدام بحق مدانين بحيازة مواد مخدرة، حيث ضبط بحوزتهما عشرون كيلوغراماً من مادة الهيروين، بالإضافة إلى خمسة عشر ألف حبة من مادة الكبتاجون، فضلاً عن أسلحة متنوعة في العاصمة بغداد.
كما أصدرت محكمة جنايات الكرخ في بغداد حكماً بالإعدام بحق تاجر ضبط بحوزته ثمانية وأربعون كيلوغراماً من مادة الميثيل أمفيتامين.
وهذه الأحكام القاسية تعكس بوضوح عدم تساهل القضاء العراقي مع المجرمين الذين يسعون لإنعاش هذه الظاهرة في المجتمع.
تحول استراتيجي: من الاحتجاز المشترك إلى مراكز التأهيل المتخصصة
وعلى صعيد المعالجة، أكدت وزارة الداخلية العراقية تحقيق نقلة نوعية عبر افتتاح ستة عشر مركزاً لمعالجة مدمني المخدرات خلال فترة الحكومة الحالية.
وذكر العميد زياد خلف، مدير العلاقات والإعلام في المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، أن جهود هذه المراكز توجت بـ تعافي أكثر من خمسة آلاف وتسعمائة نزيل من الإدمان حتى الآن.
وأوضح خلف أن الفترة التي سبقت عام ألفين وثلاثة وعشرين كانت تشهد احتجاز تاجر المخدرات ومدمنها في زنزانة واحدة، الأمر الذي كان يؤدي إلى “إنتاج تاجر جديد بدلاً من معالجة المشكلة من جذورها”.
وأشار إلى أن التوجيهات الحكومية ساهمت في تخصيص بنايات كانت تابعة لوزارة الدفاع، لتحويلها إلى مراكز تأهيل بإشراف مباشر من وزير الداخلية وبالتعاون مع وزارة الصحة.
وقد تم افتتاح ستة عشر مركزاً في عموم المحافظات، منها ثلاثة مراكز في بغداد، بطاقة استيعابية تزيد عن خمسة آلاف سرير.
كما يتم إخضاع النزلاء لبرامج علاجية وتأهيل نفسي واجتماعي متكاملة، تشمل برامج رياضية وصفاً لمحو الأمية بالتعاون مع وزارة التربية.
إتلاف كميات قياسية وتحديات الطريق الطويل
وفي إشارة إلى حجم الجهد المبذول في مكافحة هذه الآفة، أعلن وزير الصحة، صالح مهدي الحسناوي، في وقت سابق عن إتلاف أكثر من خمسة وعشرين طناً من المواد المخدرة والمؤثرات العقلية منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في الثالث عشر من أكتوبر عام ألفين واثنين وعشرين، في خطوة وصفت بأنها “الأكبر في تاريخ البلاد”.
من جهته، أقر رئيس لجنة مكافحة المخدرات النيابية، النائب عدنان الجحيشي، بأن “العراق تقدم كثيراً خلال العامين الماضيين في ملف مواجهة المخدرات والسيطرة عليها، لكن لا تزال الطريق طويلة”.
وأوضح أن التجار يبتكرون طرقاً جديدة لتهريب المواد وتوريط المدمنين وتحويلهم إلى مروجين، مشدداً على حاجة البلاد إلى مزيد من مراكز العلاج لأن أعداد المقبلين على التعافي تتطلب بنى تحتية جديدة.
وأكد الجحيشي، أن إنهاء الظاهرة يتطلب تحالفاً شعبياً مع المؤسسات الحكومية، ووجهاء العشائر، والمؤثرين، والمؤسسات الدينية، وليس فقط عبر الإجراءات القضائية والأمنية.
العراق.. من بلد عبور إلى مركز استهلاك
وتؤكد الإحصائيات تسجيل آلاف الحالات من التعاطي سنوياً في العراق، إلى جانب ارتفاع في عدد الموقوفين على ذمة قضايا المخدرات الكثير منهم من الأحداث القاصرين.
وبينما كان يُنظر إلى العراق سابقاً كبلد عبور للمواد المخدرة، تؤكد المعطيات الحالية أن البلاد أصبحت سوقاً ومركز استهلاك كبيراً، بفعل هشاشة الحدود وتفاقم البطالة والفقر.
وتُعتبر المخدرات حالياً من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع العراقي، حيث تحوّل العراق إلى ممر لتلك المواد من إيران في اتجاه عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى تهريبها مؤخراً عبر الحدود السورية.
يُشار إلى أن القانون العراقي قبل الاحتلال الأميركي عام ألفين وثلاثة كان يعاقب مروّجي المخدرات بالإعدام شنقاً، قبل أن تُلغى هذه العقوبة ويعاد العمل بها لاحقاً في ظل تزايد خطورة هذه الآفة.
