قال امير المؤمنين عليه السلام: “ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا إلا لاحد رجلين: رجل أذنب ذنبا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات”. (نهج البلاغة، الحكمة: 91).
ما هو الخير؟
وفيما يكون؟
وهل المال والاولاد خير وهل زيادتهما خير؟
في القرآن الكريم قلّما نجد كلمة السعادة، على الرغم من تداولها عند كثير من الناس، يريد ان يكون سعيدا في الدنيا، ولا يريد ان يكون شقيا، القرآن لا يتحدث عن السعادة والشقاء في آياته، لكنه كثيرا ما يتحدث عن الخير والشر، {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
ويبدو أن كلمة الخير ادق من كلمة السعادة، فلربما شعر الانسان بالشقاء وكان خيرا له، {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، فمبدئيا لا يصح البحث عن السعادة في الحياة، بل يجب البحث عن الخير، والابتعاد عن الشر.
اللعب بالنسبة للطفل دعابة ولكنه ليس خيرا له، الدراسة ربما كان شعوره أنها شقاء، لانه يريد أن يلعب ويلهو ويرتاح، لكن الدراسة بالنسبة له خير وتركها شر.
ربما ان مفهوم السعادة والشقاء لدى الناس شعورهما بهما، والشعور قد يكذب، و لا يكون صحيحا. لانه ربما يبتلى المرء ببلاء وهو خير له. ما فيه مصلحة الانسان الحقيقة هو الخير وما ليس فه مصلحة فهو شر، لا ما يشعر انه مصلحته، فالبعض يشعر ان كثرة المال والاولاد والكرسي ..، لكن فيما بعد يتبين عدم وجود مصلحة حقيقية. المصلحة الحقيقية في علم الله، والعاقبة الحسنة هي الخير.
ولابد من الاشارة الى عدة حقائق:
الحقيقة الأولى: المال حقيقة خارجة عن الانسان؛ فكان موجودا في اعماق الارض قبل ان يولد الانسان، وسيبقى بعد أن يموت، مصادر المال يمكن ان تتحول الى شيء ذا قيمة نفعية، والمال قد يُنتسب الى الانسان فترة من الزمن وبعد ان يموت يكون لغيره، ويموت كل البشر ويبقى المُلك لله الواحد القهار، قال امير المؤمنين: “المال عارية”.
وحين يزداد المال لا يؤثر على الانسان ولا يسبب له نمو داخلي، ولا ينمو إنسانيا بزيادة ماله، ولا يتعلم شيء اذا زاد، فزيادة المال او نقيصته لا يؤثر شيئا لانه شيء خارج عن الانسان.
هنالك حيوانات كالكلاب والقطط تملك ملايين الدولارات، وفي بعض الدول الغربية تم تخصيص مدارس ومستشفيات، بل ومقابر خاصة بالحيوانات، إذن زيادة اموال الحيوانات لم يؤثر فيها شيئا، لان حقيقة المال خارجة عمن يُنتسب إليها.
الحقيقة الثانية: المال لا لون له ولا طعم، ولا رائحة، فلا تستطيع ان تقول هذا الدينار خير، وذلك شر، فهو حقيقة موجودة خلقها الله على الارض، إنما يُنظر اليه من حيث أثره، فإذا تبدّل الى خبز للفقراء، ومأوى للمساكين، وملبس للعراة، فهنا يكون أثره حَسن، لكن إذا تحول الى صواريخ على رؤوس الابرياء، والى وسائل للقمع، فإن هذا المال يكون شرا، والله تعالى لا يلعن المال، ولا يجوز لاحد ان يحقد على الدينار والدرهم، بل الحقد على مَن يملك المال ولا يصرفه في مكانه. المال إذا اُنفق في سبيل الله فهو خير، وإن كان في سبيل الشيطان فهو شر.
مصدر كسب المال وأين يتم صرفه، وبأي نفسية، هذه هي التي تجعل للمال قيمةً، الانسان اذا كان عنده اموال ويصرفها في الحلال وبنفسية إنسانية رائعة، فهذا المال خير، ويسبب لصاحبه مصلحة حقيقية، تجعله سعيدا في الدنيا والآخرة. عظمة الانسان ليس لانه يبذل الفضل من ماله، بل لانه يعطي ما يحتاج إليه.
الحقيقة الثالثة: أن شعورالانسان بالزهو والخيلاء اذا امتلك مالا، شعورا احمق، الشعور بالاطمئان عند امتلاك الاموال شعور باطل، وهو شعور الاطفال، نابع من جهل الانسان بالحياة وحقائق الكون، فيظن أنه بالمال يستطيع شراء كل شيء، ولكن الحقيقة خلاف ذلك.
حين يزداد المال لا يؤثر على الانسان ولا يسبب له نمو داخلي، ولا ينمو إنسانيا بزيادة ماله، ولا يتعلم شيء اذا زاد، فزيادة المال او نقيصته لا يؤثر شيئا لانه شيء خارج عن الانسان
المال لا يعني الصحة، ولا يعني الخير، المال قد يشتري الثياب، لكنه لا يشتري الشكل الحَسن، إن وُلد الانسان قبيح المنظر فهل بالامكان ان يغيّر شكله بالمال؟!
وكما ان الشعور بالاطمئان بوجود المال خطأ، كذلك عدم الاطئمان في حال الفقر خطأ أيضا، لان كلاهما نابع من الجهل، لذلك نرى كم من فقير سعيد، وغني شقي، للمال قيمة لكن ليس كل شيء.
الحقيقة الرابعة: نقمة المال المال بما يسببه من نعمة قد يتحول الى نقمة، كم من تجار ملكوا الكثير لكنهم تورطوا في طريقة المحافظة عليه من السرقة، او الضياع، وكل اثرياء المال في العالم ليسوا مطمئنين ان يصبحوا على فراشهم، بل بعضهم لا يطمئن حتى على قبره وجثته بعد الموت خاصة البلاد الاوروبية، لان الغني له قبر خاص، ويصنع له تابوت من خشب معين، وعادة تسرق جثته بعد الموت.
ومن افضل القصص في هذا المجال ما ينقله القرآن الكريم، قصة قارون، {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} الى أن يقول تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّااهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ}. المال قد يكون نقمة للإنسان، ولا يساوي السعادة في الدنيا فضلا عن الآخرة.الذي يجعل للمال قيمة ذاتية هو يعبد الصنم، لا فرق بينه وبين السامري.
الخير الحقيقي
إذا كان كثرة المال والاولاد ليس خيرا، فما هو الخير إذن؟
يجيب أمير المؤمنين عليه السلام: “أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن تباهي بعبادة ربك”.
الخير في ثلاثة أمور؛ زيادة العلم وبالتالي فهم الحياة، وزيارة الحلم وهو مهم في التعامل مع الناس، وأن تكون علاقة الانسان مع خالقه وربه علاقة سليمة، فالعلم للنفس لفهم الحياة، والحلم للتعامل مع الناس، والعبادة للآخرة.
العلم نمو داخلي للانسان، الحياة تبحث عن الرجل العالِم سواء كان غنيا ام فقيرا، أيَّ علم كان، عالِم فقه، عالم طب..، لان الحياة ترمي بأزمتها على عاتق العلماء، لان العلم له قيمة حقيقة “يرفع الله به أقواما” ومن هنا فلا كنز أنفع من العلم و”قيمة كل امرء ما يحسنه، لذلك “طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة” و” لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه بسفك المهج وخوض اللجج”. ولذلك طلب الله منا “اطلبوا العلم ولو في الصين”، بل وطلب ان نبحث عن العلم في الثرياء خارج المنظومة الشمسية. اليوم يرسلون أقمارا صناعية داخل المنظومة الشمسية للحصول على بعض المعلومات واختبار بعض الفرضيات.
العلم وحده لا ينفع، لان البعض يظن بمجرد ان يكون عالما فذلك المبتغى، وهذا غير صحيح، للعلم آفة، يقول الشاعر:
لكل شيء آفة من جنسه
حتى الحديد سطا عليه المبردُ
الله خلق الدينا وخلط كل شيء، فالخير مخلوط بشيء من الشر، كما ان الحياة كلها نهارا، بل الليل يعقب النهار، في اليوم الواحد قد تمر على الانسان رياح النار ورياح الجنة متعاقبة؛ ففي الصباح مرتاح، والظهر غير ذلك، هذه طبيعة الدنيا.
الخير في ثلاثة أمور؛ زيادة العلم وبالتالي فهم الحياة، وزيارة الحلم وهو مهم في التعامل مع الناس، وأن تكون علاقة الانسان مع خالقه وربه علاقة سليمة، فالعلم للنفس لفهم الحياة، والحلم للتعامل مع الناس، والعبادة للآخرة
صحيح ان الله لم يخلق الانسان حليما بذاته، وهنا لابد من التحلّم، قال عليه السلام: إذا لم تكن حليما فتحلّم”. وعظماء التاريخ لم يكونوا علماء فقط، بل كانوا حلماء، وعلى رأسهم أهل البيت عليهم السلام، والقصص في ذلك كثيرة.
من نتائج العلم والحلم وعبادة الله، ان تكون نفسية الانسان خفيفة، غير متعصبة للباطل، لان الإمام يقول بعد هذه الكلمة: ” فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله”. ثم يقول عليه السلام كلمة الفصل: ” ولا خير في الدنيا إلا لاحد رجلين: رجل أذنب ذنبا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات”.
____________
(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
