الأخبار

الطيور المهاجرة تودع المسطحات وسماء ميسان يغطيها “الضباب السام” من الأهوار المحترقة

الهدى – متابعات ..

يواجه العراق أزمة بيئية حرجة تهدد بفقدان إرثه الطبيعي والتنوع البيولوجي، حيث تتسارع مشاهد الجفاف لتحيل المسطحات المائية التاريخية إلى أراضٍ قاحلة، مما أثار قلقاً بالغاً لدى السكان والناشطين البيئيين.

وقد سجلت مناطق الوسط والجنوب ظواهر مقلقة، أبرزها تحليق الطيور المهاجرة في حزن فوق موائلها الجافة، وتصاعد سحب الدخان الكثيف والسام من أراضي الأهوار التي تشتعل ذاتياً.

الطيور المهاجرة في رحلة وداع مؤلمة

وأثارت مشاهد الطيور المهاجرة وهي تحوم في دوائر يائسة فوق ما كان يُعرف بـ”بحر النجف” والأهوار الجنوبية، قلقاً عميقاً.

وتداول ناشطون فيديوهات مؤثرة تظهر أسراباً من هذه الطيور، التي اعتادت اللجوء إلى هذه المناطق كل عام، وكأنها في “وداع حزين” لموائلها التي جفّت تماماً.

ويحذر الناشط البيئي علي عزيز، من أن استمرار الجفاف يهدد بفقدان العراق لواحد من أهم مظاهره الحياتية، مشيراً إلى أن الطيور، مثل طائر الكركي و طائر الفلامينكو، لم تجد الماء والغذاء هذا العام، مما دفعها للبحث عن بدائل، ما يجعلها “عرضة سهلة للصيادين”.

ويؤكد عزيز أن هذا قد يقود إلى “هجرة نهائية” لهذه الأنواع في السنوات المقبلة، ويفقد البلاد “إرثاً طبيعياً وثقافياً ظل جزءاً من هويتها البيئية لقرون طويلة”.

من جانبه، كشف مدير شعبة التغيرات المناخية في مديرية بيئة النجف، حيدر فليح، عن وجود ثلاثة أنواع من الطيور المهاجرة تستهدف العراق.

وشدد على أن المفتاح لجذبها هو “استقرار المناسيب في المسطحات المائية”. ولهذا، قدمت المديرية توصيات عاجلة بـ “ضرورة إنشاء محميات طبيعية تدار بمستوى مائي محسوب ومدروس” لضمان استدامة التنوع البيولوجي، محذراً من أن استمرار الجفاف سيحوّل مناطق مثل بحر النجف إلى موائل “محدودة للطيور المقيمة فقط”.

وهذا التحول المأساوي يترك أثراً عميقاً على الذاكرة الجماعية، حيث أعرب المواطن أبو كرار الموسوي، من سكان أطراف بحر النجف، عن أسفه قائلاً: “كنا ننتظر قدوم الطيور المهاجرة كل عام، كان منظرها يبهجنا، لكن المشهد الآن أصبح محزناً بعد أن جفّت أغلب المسطحات وغابت تلك الأصوات”.

وطالب المواطن حسن الجابري بـ “حلول حقيقية”، مثل إنشاء بحيرات اصطناعية صغيرة وربطها بمصادر تغذية دائمة، لأن “اختفاء الطيور يعني فقدان هوية المكان نفسه”.

ميسان تغرق في “ضباب سام”: حرائق الأهوار تسبب أزمة تنفسية

بالتوازي مع أزمة الجفاف، تحولت أراضي هور الحويزة الجافة إلى مصدر لكارثة بيئية وصحية أخرى، حيث غطت موجات متكررة من الدخان الكثيف والرمادي سماء مدينة العمارة ومناطقها المحيطة منذ مطلع آب الماضي.

وهذه الظاهرة، التي وصفها مواطنون بـ”الضباب السام”، أدت إلى تدهور الرؤية وإثارة القلق بين الأهالي.

ويؤكد الناشط البيئي مرتضى عبد الخالق أن الأدخنة ما زالت مستمرة وتمتد لمسافة تصل إلى أكثر من 70 كيلومتراً دون “إجراءات واقعية لمعالجة الموقف”.

وفي محاولة لتقديم تفسير، أكد مدير بيئة ميسان، باسم محمد، أن ما تشهده مناطق الأهوار ليس حرائق مفتعلة بالضرورة، بل “انبعاثات ناتجة عن احتراق المواد العضوية داخل التربة الجافة”.

وأوضح أن جفاف الأهوار ووجود القصب الجاف وقلة الرطوبة يدفع المواد العضوية إلى الاحتراق الذاتي في باطن الأرض مع ارتفاع الحرارة، مما يولد الدخان الكثيف.

وأشار محمد إلى أن هذه الأدخنة تشكّل تأثيراً على صحة الإنسان، وأن الحل الأمثل يكمن في “زيادة الإطلاقات المائية نحو الأهوار، بما يضمن ترطيب التربة ومنع تكرار الظاهرة”.

مخاطر صحية ومطالبات قضائية عاجلة

أزمة الدخان تُرجمت إلى خطر صحي مباشر، حيث سجلت مستشفيات ميسان في الأسابيع الأخيرة تزايداً ملحوظاً في أعداد المراجعين، خاصة من مرضى الصدر والجهاز التنفسي، الذين يعانون من حالات اختناق وضيق في التنفس.

وحذّر الأستاذ في جامعة ميسان، الدكتور صالح حسن المختص في الشأن البيئي، من أن تلوث الهواء بمستويات مقلقة ينعكس مباشرة على صحة السكان.

وفي خطوة تصعيدية، تقدم المواطن منتظر محمد بشكوى رسمية إلى المدعي العام، مطالباً بفتح تحقيق عاجل حول تكرار موجات الدخان التي تغطي سماء ناحية المشرح، مؤكداً أن ما يجري يعد مخالفة صريحة لأحكام قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009.

وفيما أكد عضو مجلس محافظة ميسان، حسين المرياني، أن الظاهرة “طبيعية” وناجمة عن الجفاف واشتداد الحر، وأن الحل الجذري يكمن في عودة المياه، أشار إلى أن الاتصالات مع حكومة بغداد مستمرة “من دون أي نتائج ملموسة حتى الآن”.

ويأتي هذا التدهور في ظل تقليص كبير في مساحة الأهوار العراقية التي تمتد تاريخياً على نحو 20 ألف كيلومتر مربع، حيث أكد الناشط البيئي أحمد الساعدي أن هور الحويزة وحده، الذي كان يغطي مساحة واسعة، قد “جف تماماً وتحول إلى أرض قاحلة خالية من الحياة”.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا