في وقت يحاول الساسة التقرّب أكثر الى رغبات الجماهير، نراهم يبتعدون عن قيم وطموحات هذه الجماهير، ففي مدينة كربلاء المقدسة جمهورٌ واعٍ يحترم هويته وتاريخه، كما يؤكد دائماً عزمه على النمو والتطور في مدينة ليست كأي مدينة في العالم، فهي تواكب الزمن متمسكة بالرؤية الثلاثية الأبعاد: الماضي- الحاضر- المستقبل، دون التفريط بأي منهما، واليوم تشهد هذه المدينة انتهاكاً جديداً لخصوصيتها الدينية والحضارية بعمل لا يرقى لما يأمله أصحابه الساسة الطامحين الى حظوة في السباق الانتخابي المحموم هذه الأيام، رغم الضجة المفتعلة، ومنظر اصطفاف المرشحين والمرشحات في ملعب كربلاء الدولي.
يؤسفني حقاً غياب حقيقة تاريخية عن أذهان من يفترض انهم يقرأون التاريخ وتجارب الماضين ويدّعون أنهم يمثلون الشعب العراقي والجماهير الكربلائية تحديداً التي تدرك هذه الحقيقة قبل غيرها عندما شهد الجيل الماضي كيف أن معاول الهدم المادي والمعنوي تكسرت على أسوار هذه المدينة المقدسة بفضل صمود وتحدي و وعي أهلها في سني القرن الماضي، واليوم تأتي جماعة من الساسة الطامحين للفوز بآراء الناخبين في الانتخابات القادمة لتحاول الاستفادة من خاصية الانفتاح على العالم لتجعل منها منصّة إعلانية كأي ملصق او لوحة إعلانية في الشوارع، لكن هذه المرة بشكل كبير ومميز، وسعياً من رئيس القائمة؛ وهو نفسه رئيس الحكومة الحالية، محمد شياع السوداني، للابتعاد عن العاصمة واحتمال تعرضه للانتقاد بتوظيف منصبه لأغراض دعائية، وهي الشبهة التي تلاحقه بكل الأحوال.
هذا التطاول، شأنه شأن سائر المحاولات السابقة، لا ينال من المدينة المقدسة شيئاً، بل يزيدها رفعةً وعلواً، لاسيما اذا تضمن هذا التطاول وجود مرشحات للانتخابات من دون حجاب، او حتى غطاء للرأس احتراماً لهذه الأرض المقدسة كما يفعل الغرباء من الاعلاميات والسائحات ومندوبات من مؤسسات دولية، يتردين العباءة أو غطاء الرأس لدى دخولهن الروضة الحسينية المطهرة، او اللقاء بالمسؤولين المحليين، فهل يفهم المواطن الكربلائي أن هذه النسوة –غير المسلمات- أكثر احتراماً لخصوصية المدينة ومشاعر أهلها من دعاة الديمقراطية وتمثيل الجماهير في مجلس النواب؟!
اليوم تشهد هذه المدينة انتهاكاً جديداً لخصوصيتها الدينية والحضارية بعمل لا يرقى لما يأمله أصحابه الساسة الطامحين الى حظوة في السباق الانتخابي المحموم هذه الأيام، رغم الضجة المفتعلة، ومنظر اصطفاف المرشحين والمرشحات في ملعب كربلاء الدولي
لا أجدني بحاجة لتسليط الضوء اكثر على مشهد المرشحات السافرات في ملعب كربلاء الدولي، فقد أدى الواجب العديد من الاخوة المؤمنين في مواقع الانترنت، بيد أن ما يحزّ في النفس حقاً لدى أي مواطن كربلائي أن يستمر تجاهل خصوصية مدينتهم المقدسة، ويستغل جدارها الحضاري الكبير لملصق إعلاني لا يخدم واقعها الخدمي والثقافي والاقتصادي.
يكفي الإشارة الى ملف النقل داخل المدينة الذي يعد من الملفات المنسيّة تماماً رغم صلتها الوثيقة بملفات حيوية عدّة أبرزها تلوّث البيئة من عوادم السيارات، واستهلاك الوقود لسيارات لا تُعد في شوارع معدودة، مع ازدحامات مرورية وانتهاك مستمر للقوانين والأخلاق بسبب فوضى الشارع واضطرار الفتيات والنساء والشباب لاقتناء السيارات الخصوصية لغرض وصولهم الى الجامعة والدائرة الحكومية وأماكن العمل، مما يتسبب في إرهاق ميزانية المواطن، الى جانب إرهاقه نفسياً وعصبياً، وهو بدوره ينعكس على السلوك الفردي والاجتماعي.
جماهير كربلاء المقدسة متفاعلين مع التجربة الديمقراطية بنسبة لا بأس بها، وفيهم من يحدوه الأمل للتغيير والإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، فهم بحاجة الى قدر كبير من التبجيل والاحترام من لدن المرشحين والطامحين للفوز، ليس فقط لهم كأفراد، وإنما لصاحب المكان؛ الامام الحسين، وأخيه أبي الفضل العباس، عليهما السلام، بأن تكون أي حركة او نشاط ينطلق من هذه الأرض المقدسة، متناسقة مع القيم التي ضحى من أجلها الامام الحسين، عليه السلام.
