الهدى – متابعات ..
في تحرك دبلوماسي وفني مكثف، اختتمت اللجنة المشتركة لملف المياه بين العراق وتركيا اجتماعاً رسمياً في العاصمة التركية أنقرة، باتفاق على وضع حلول آنية وأخرى بعيدة المدى لمعالجة أزمة المياه التي يعاني منها العراق.
وفي الوقت الذي أكدت فيه بغداد سعيها للحصول على حصة مائية عادلة من دول المنبع، شدد خبراء ومسؤولون على أن التحدي الداخلي لا يقل أهمية، ويتمثل في ضعف البنية التحتية وغياب ثقافة الترشيد والاستخدام الجائر للمياه.
دبلوماسية المياه: تفعيل الاتفاق الإطاري مع تركيا
وعُقد الاجتماع المشترك في أنقرة برعاية وحضور نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
وتلاه اجتماع فني برئاسة وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب ووكيل وزارة الزراعة والغابات التركي أبو بكر كزل كيدر.
وأكدت وزارة الخارجية العراقية، في بيان لها، أن اللقاءات بحثت ملف المياه وتعزيز التعاون الثنائي في هذا المجال الحيوي.
وخلال الاجتماع، استعرض الوزير عون ذياب الواقع المائي الصعب في العراق والتحديات الناتجة عن انخفاض الواردات المائية من حوضَي دجلة والفرات، مؤكداً على أهمية زيادة الإطلاقات المائية، خصوصاً في حوض نهر دجلة، كما أشار إلى الإجراءات المتخذة لمعالجة الأزمة في محافظات الوسط والجنوب.
واتفق الجانبان على وضع حلول آنية وأخرى بعيدة المدى لمعالجة الأزمة من خلال تفعيل الاتفاق الإطاري للتعاون في مجال المياه، ومباشرة الشركات التركية بتنفيذ المشاريع والبنى التحتية ذات الصلة.
كما أكد الطرفان على ضرورة استمرار التعاون والتنسيق المشترك وعقد اجتماعات دورية للجنة الفنية لمتابعة تنفيذ التفاهمات والبرامج المشتركة، بما يسهم في تحقيق إدارة مستدامة للموارد المائية بين البلدَين الصديقَين.
العراق يستلم 30% فقط من احتياجه الفعلي
من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال أن اللقاءات الأخيرة التي عقدها مسؤولون من العراق وتركيا في أنقرة تمثل تحركاً جاداً للحكومة في سبيل معالجة أزمة المياه عبر الحوار والتفاهم.
وأشار إلى أن الوزارة مستمرة في التنسيق مع الجانب التركي من خلال اللجان المشتركة والاجتماعات الدورية، إلى جانب العمل داخلياً على تحسين إدارة المياه وترشيد استخدامها، لتقليل تأثيرات الشح المائي وحماية الأمن المائي الوطني.
وكشف شمال عن حجم الأزمة، مؤكداً أن العراق لا يستلم سوى 30% فقط من احتياجه الفعلي من المياه، وهذا النقص الكبير انعكس مباشرةً على الزراعة ومياه الشرب والبيئة، ولا سيّما بيئة الأهوار التي تعاني من تراجع خطير في مناسيبها.
وأوضح أن الموارد المائية المشتركة مع دول المنبع والبلدان المتشاطئة تفرض على الحكومة العراقية ممارسة أقصى أنواع التفاوض والجهد الدبلوماسي والفني بهدف إقناع تلك الدول بضرورة تمكين العراق من الحصول على حصة مائية عادلة ومنصفة تضمن استدامة الحياة والزراعة والبيئة في البلاد.
تراكمات داخلية تضاعف الأزمة وتحتاج إلى “رؤية وطنية”
وفي سياق متصل، أكد الخبير المائي عادل المختار أن عقد مثل هذه الاجتماعات يُعدّ خطوة مهمة نحو إدارة ملف المياه بصورة دبلوماسية وتقنية، خصوصاً في ظل ما يشهده العراق من تراجع خطير في وارداته المائية.
وأفاد المختار بأن الاتفاق على حلول آنية وأخرى بعيدة المدى يعدّ مؤشراً إيجابياً إذا ما ترجم إلى إجراءات واقعية على الأرض، مثل زيادة الإطلاقات المائية والتعاون في إدارة السدود ومشاريع الحصاد المائي.
وأوضح المختار أن هناك سوء إدارة للمياه داخل العراق، وهذا شجع دول المنبع على أن تكون أكثر صرامة، كون الاستخدام المائي في العراق غير صحيح، والعالم كله متجه إلى ترشيد المياه.
وأضاف أن الأزمة المائية في العراق ليست نتيجة سياسات دول الجوار فحسب، بل هي أيضاً نتاج تراكمات داخلية، من ضعف في البنى التحتية وقصور في التخطيط الاستراتيجي وغياب ثقافة الاستخدام الرشيد للمياه.
وشدد على أن العراق لا يمكنه أن يطالب بحصص عادلة دون أن يثبت جديته في إدارة موارده الداخلية، من خلال تقليل الهدر وتطوير أنظمة الري وتشجيع المزارعين على اعتماد تقنيات حديثة في الزراعة.
واختتم المختار مؤكداً أن الحل يتطلب رؤية وطنية شاملة تدمج بين الدبلوماسية المائية والإصلاح الداخلي لضمان أمن العراق المائي للأجيال القادمة.
وبيّن أن تحسين إدارة الموارد المائية سيترك انعكاسات اقتصادية إيجابية مباشرة، إذ إن قطاع الزراعة يسهم بما لا يقل عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وأي استقرار مائي يعني تحقيق استقرار في الأمن الغذائي وتقليل الاستيراد الخارجي، ما ينعكس على ميزان المدفوعات وتقليل الضغط على العملة المحلية.
