توجد أساليب عديدة للتعامل مع النزاعات أو حالات الخلاف مع الآخرين، وكل هذه الأساليب تتوزع على جانبين (الحوار أو الغضب)، فأما أن يكون الخلاف حادّا ويستمر هكذا حتى في أساليب الحل، فيكون الغضب هو المحرك الذي يشعل نيران الخلاف ويزيدها أضعافا وتصبح نوعا من النزاع الذي يولّد نيرانا يُصعَب إطفاؤها، وفي هذه الحالة تكون العواقب وخيمة على الطرفين المختلفين، سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو حتى دولا.
والنوع الآخر من أساليب حلّ الخلاف، أو إيجاد الحلول التي تحاصره وتمنع عنه حالة التمدد والتوسع، فيكمن في اللجوء إلى الحوار واتخاذه أسلوبا لإطفاء نيران الخلاف، حتى لا تتوسع وتحرق الأخضر واليابس كما يُقال، وعندما نحاول أن نقارن بين النوعين من حل الخلافات وهما (الحوار أو الغضب)، سوف نلمس لمس اليد أن الحوار أفضل بكثير من الغضب الذي يقود بالنتيجة الأطراف المختلفة إلى التصادم ومن الاحتراب.
للحوار لغة هادئة تبتعد عن التشنج والتطرف، وتسعى لتخفيف نقاط الخلاف، ومن ثم تقريب وجهات النظر المتضاربة، وتقليص الفجوة بين الطرفين، فهذه اللغة (لغة الحوار)، قادرة على امتصاص الغضب، وتذليل العقبات، لأنها تنتمي إلى الصبر، وهذا الأخير هو السبب الأساس في نجاح الأفراد والشعوب والأمم، وعندما نتحرى الأسباب التي تقف وراء نجاح الشخص أو المجتمع أو الدولة، سوف نكتشف بشكل قاطع، أن الصبر هو الإرادة المرنة الثابتة التي تمنح المتحاوِر طاقة عالية على تحقيق أهدافه بما يسمّى بلغة الحوار.
في المقابل، حدوث حالة الغضب والإفلات من سيطرة الإرادة، تعني اشتعال نيران الخلاف التي تغذيها حالات التطرف وقلة الصبر، وقلّة العلم وقلة الأخلاق وضعف القيم الإنسانية أيضا، لهذا تحدث النزاعات بين الأفراد، وبين الجماعات مع بعضها البعض، بل حتى النزاعات بين الدول هناك دور واضح للغضب وقلّة صبر القادة فيها، لهذا فإننا يجب أن نربّي أنفسنا أولا وأبناءَنا على امتلاك الصبر، واعتماد لغة الحوار في إنهاء الخلافات وسد نوافذ الشر حتى لا يتطور الخلاف ولا يُشعل نيران الغضب، وبالتالي لن يكون هناك رابح من نشوب الحرب والصراع.
ما تنطقه بلسانك من الممكن جدا أن يقودك إلى حتفك، في نفس الوقت يمكن أن يكون لسانك هو الذي يحافظ على حياتك من الخطر، فهناك أناس فقدوا حياتهم بسبب زلة لسان، وهناك أناس تجنبوا الموت أو الخسائر الكبير عبر لغة الحوار
كثيرون يقولون ويؤمنون بأن الخلافات الكبيرة التي تؤدي إلى نزاعات طاحنة خصوصا تلك التي تحث بين الدول، لن يكون فيها طرف منتصر وطرف مهزوم، فالنتيجة تأكل نيران الحرب الجميع، حتى الذي يسوّق نفسه كقائد منتصر، سوف يكون أو العارفين بأنه خسر أرواحا من جنوده وأموالا من ثروات شعبه، ومعدات قتالية تعود لجيشه، هذه الصورة ذات الشمولية العالية تنطبق على الأفراد أيضا، لذلك يُنصَح بأن يتعلم الإنسان لغة الحوار وينبذ لغة الصراع.
هل يمكن أن نتدرب ونتعلم على لغة الحوار؟
هذا أمر ممكن بالطبع، فليس هناك حالة عصيّة على المران والتعلم والتدريب، فالبشر قادر على أن يدرّب نفسه على الحوار، ويمكنه تعلّم هذه اللغة الحوارية الهادئة، وفي نفس الوقت يمكنه أن يتدرب على كبح الشحنات الغضبية الموجودة في داخل كل إنسان، والفرق بين شخص وآخر تكمن في مدى قدرته على مسك لسانه ومشاعره في لحظة الغضب، بحيث يتجنب الكلمات الحادة، ولا يدعها تخرج من فمه، فقد قيل إن (مقتل الإنسان في لسانه)، بمعنى ما تنطقه بلسانك من الممكن جدا أن يقودك إلى حتفك، في نفس الوقت يمكن أن يكون لسانك هو الذي يحافظ على حياتك من الخطر، فهناك أناس فقدوا حياتهم بسبب زلة لسان، وهناك أناس تجنبوا الموت أو الخسائر الكبير عبر لغة الحوار، وهناك شواهد كثيرة على هذا القول، لذلك بات من المهم جدا أن نتعلم لغة الحوار ونتقن فنونها بشكل جيد.
أما الأسباب التي تدعونا إلى ذلك فهي كثيرة، أهمها أنّ لغة الحوار تجنبنا المشكلات والنزاعات العقيمة، وتتركنا نتفرغ للعلم والعمل والإنتاج والتطور لكي نلتحق بالركب العالمي المتقدم، فالتاريخ يذكر لنا أن النبي، محمد صلى الله عليه وآله، عندما باشر في بناء دولة الإسلام العظمى، لم يبدأ حربا مع جهة أو خصم أو دولة أخرى، وكل حالات القتال التي دخلها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، كانت ذات صبغة دفاعية بحتة.
كذلك أئمة أهل البيت، عليهم السلام، لم يبدأ أحد منهم حربا مع خصم له، بل كانوا، عليهم السلام، مدارس للحوار ونبذ الغضب، وطالما حثّوا الجميع على التزام الهدوء والكلمة الطيبة، ومغادرة أسلوب التشاحن والسعي للسيطرة على التطرف والكراهية، وإفساح المجال لأساليب التفاهم ولغة الحوار تسود على سواها، هذا هو الأسلوب التربوي الذي يجب أن نتعلمه ونتقنه ونعلمه لأبنائنا وشبابنا ومجتمعنا كله، حتى نتجنب النزاعات ونتفرغ للبناء والسلام.
