الأخبار

في مدارس العراق: التنمر يُحوّل الصفوف إلى ساحات قلق والضحايا يعانون فقدان التركيز

الهدى – متابعات ..

لم تعد ساحات المدارس في العراق كما كانت، فالأجراس التي يفترض أن تعلن بداية الدروس، باتت في أذهان كثير من التلاميذ نذيرًا بالخوف، بعدما تفاقمت ظاهرة التنمر المدرسي لتصبح أزمة صامتة تطارد الطلاب.

وهذا التنمر لا يترك أثرًا فوريًا فحسب، بل يُخلف وراءه تلاميذ يعانون من فقدان التركيز، والكوابيس، وتحديات مستمرة في العودة إلى البيئة التعليمية بثقة وأمان.

وبين جدران الصفوف، تدور معارك صامتة من كلمات جارحة وسخرية قاسية، قد تنتهي بانعزال طفل أو انكسار مراهق.

القصص تتشابه من بغداد إلى البصرة، حيث يضطر تلميذ لترك مقاعد الدراسة بعد إهانات متكررة، وآخر يعاني نفسيًا في ظل غياب المرشدين التربويين، وتراجع الدور الرقابي، وضعف الردع.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه الجهات المعنية بتبرير العجز، تتحول الصفوف يومًا بعد يوم إلى ساحات خوف لا تعليم فيها ولا أمان.

قصص الضحايا: من المضايقة إلى ترك الدراسة

وتُعدّ تجربة الطفل موسى علي نموذجًا مأساويًا لآثار التنمر. والدته روت كيف تعرض ابنها البالغ من العمر 14 عامًا لمضايقات متكررة من قبل زملائه داخل المدرسة، ما دفعها لتقديم شكوى رسمية لإدارة المدرسة التي لم تُبدِ أي استجابة تذكر، بل ووصل الأمر إلى ترصد موسى عند انتهاء الدوام.

ونتيجة للضغط النفسي الشديد، اضطر موسى إلى ترك مقاعد الدراسة لمدة عام كامل، ورغم نقله إلى مدرسة أخرى، إلا أن حالته النفسية ما زالت غير مستقرة، حيث يعاني من فقدان التركيز والشرود المتكرر.

وتؤكد والدته أن حالة ابنها ليست فريدة، بل هي واحدة من عشرات الحالات المشابهة في مدارس العاصمة، يعاني أصحابها من آثار التنمر التي تركت في نفوسهم جروحًا عميقة وأمراضًا نفسية متفاوتة.

فراغ إرشادي وتراجع في الدور التربوي

وفي سياق متصل، أكدت المرشدة التربوية شكرية ناجي أن غياب المرشدين التربويين عن المدارس العراقية أحدث فراغًا واضحًا في المنظومة التعليمية.

فالمرشد ليس مجرد موظف إداري، بل يمثل عنصر توازن أساسي يساهم في بناء الشخصية السوية للطلبة، ويرشدهم نحو السلوك الإيجابي، ويكون حلقة وصل بين التلاميذ والمعلمين والإدارات وأولياء الأمور.

وتشير تقارير تربوية إلى أن العديد من المدارس لا تمتلك غرفًا مخصصة للإرشاد أو برامج توعوية منظمة تُعنى بتقويم السلوك وحماية التلاميذ. و

هذا التراجع في الدور التربوي وضعف الرقابة داخل البيئة التعليمية سمح بتصاعد مظاهر سلوكية مقلقة في السنوات الأخيرة، أبرزها:

  • التنمر والعنف اللفظي والجسدي.
  • استخدام العبارات النابية والممارسات المنحرفة كالتدخين وأحيانًا تعاطي المخدرات.
  • الظواهر الحديثة: كتصوير المشاهد داخل الصفوف ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي بصورة ساخرة.

التكنولوجيا وغياب الردع يُفاقمان الأزمة

ويعود شيوع هذه الظواهر إلى عوامل عدة، منها انتشار مقاطع السخرية على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وانعدام الضوابط الأسرية والتربوية التي تحفز الطلبة على عدم استخدام مفردات غير لائقة.

كما يسهم غياب القوانين الرادعة في تفاقم هذه الظاهرة وانتشارها في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية بشكل لم يكن مألوفًا سابقًا.

وترجع الدراسات أسباب ظهور التنمر إلى التغيرات الاجتماعية كظهور العنف والتمييز، واختلال العلاقات الأسرية، وتأثير الإعلام على المراهقين، بالإضافة إلى عوامل اجتماعية واقتصادية أخرى.

وكانت وزارة التربية قد أكدت في تصريحات سابقة عملها على إعادة تفعيل مكاتب الإرشاد التربوي، لكنها غالبًا ما تتحجج بـنقص الكوادر وضعف الموازنات المالية وعدم وجود تشريعات تنظم هذا العمل.

من جانبهم، يطالب المتخصصون في علم النفس التربوي بإعادة النظر في البنى المؤسساتية للإرشاد داخل المدارس عبر تعيين مرشدين مؤهلين أكاديميًا ومهنيًا، وتزويدهم ببرامج تدريبية متطورة تتناسب مع التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع العراقي.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا