من الظواهر المعروفة عن الشباب في العراق (وربما في العديد من الدول الإسلامية)، سعيهم الشديد في الحصول على فرصة تعيين بوظيفة حكومية، فما أن يحصل الشاب العراقي على شهادة البكلوريوس أو الماجستير، حتى تبدأ أحلام التعيين تداعب خياله، وتتنامى في خياله وتفكيره الذاهب نحو بناء حياة موسَّرة، وكأن التعيين في الدوائر الحكومية هو المنقذ له.
لكن في الحقيقة حين يحصر الخرّيج خياراته كلها في خيار التعيين بالدولة، فإنه كمن يغلق جميع الأبواب في وجهه، ويُبقي على باب التعيين وحده مفتوحا له، وبدل من أن يجعل أبواب فرص العمل كلها مفتوحة أمامه، فإنه يغلقها بنفسه، ويبقى أما التعيين الحكومي وحده يداعب خياله، ويؤجج مساعيه، بينما تنحسر الفرص الأخرى للعمل لأنه لا يسعى إليها، وحتى لو بذل بعض الجهود فإنه غالبا ما يكون غير جاد في بحثه هذا، فيفقد فرصا جديرة بالاهتمام.
أعرف بعض الشباب رفضوا المهنة المحدودة براتب شهري محدّد، وهؤلاء حصلوا على وظائف مضمونة الراتب الشهري والراتب التقاعدي مستقبلا، لكنهم رفضوا الدخول في قفص الوظيفة الحكومية بأرجلهم، وهؤلاء في تصرفهم هذا كانوا على حق، لأن فرصة العمل غير المقيّد بوظيفة حكومية تعود براتب شهري محدود، تفتح له آفاق ربحية واسعة، وتمنحه خبرات عملية كبيرة، تتعاظم مع مرور الشهور والسنوات.
وهؤلاء الشباب الذي تجنبوا الوقوع في فخ الوظيفة الحكومية، أسسوا مشاريع صغيرة في بداية الأمر، وبذلوا جهودا كبيرة ومستدامة في توسيع وتنويع مشاريعهم الصغيرة، هناك شاب أعرفه عن قرب، فتح دكانا صغيرا عرض واجهة دكانه متر ونصف المتر وعمقه مترين ونص المتر، وبدأ مشروعه في بيع الأكلات السريعة والرخيصة الثمن، هذا الدكان بعد سنة أنجب له دكانا آخر، وبعد أن اكتسب مهارات العمل في بيع الأكلات، تمكن من فتح مطعم صغير، ما لبث أن توسّع وأصبح مطعما كبيرا يبيع أنواع الأكلات الفاخرة حتى غالية الثمن منها.
المسؤولية تحتم على الشاب أن يبني حياته بنفسه، أو يفكر ويخطط بذكاء، ولا يكل ولا يمل من البحث عن فرص العمل، ولا بأس من حالات الفشل الأولية، فهي بمثابة دفعات قوية إلى الأمام
لقد نجح مؤسس الدكان الصغير في اكتساب خبرات جيدة في مجال عمله، وهو اليوم من الرجال الناجحين عمليا، لأن ذلك الدكان الصغير أصبح أكثر من مطعم كبير ومتميز، مع الحصول على موارد تعادل أضعاف الراتب الحكومي المعروف والمحدود، ولو أنه رضي بالوظيفة التي كان بإمكانه الحصول عليها، لما أصبح اليوم من الأثرياء من الأموال الحلال، هذا المثال العملي يمكن أن يطبقه جميع الشباب، ويمكن تأسيس مشاريعهم الخاصة في جميع المجالات، ولكن بشرط التخلي عن حلم العثور على وظيفة حكومية، فإذا أراد جميع الخريجين وظائف في الدولة، فسوف يكون هذا الأمر أشبه بالمستحيل، فليس هناك دولة ناجحة في العالم تفتح أبوابها لتعيين جميع الشباب، وإذا كانت الحكومات عاجزة عن تحريك ودعم وتشغيل القطاع الخاص لزيادة فرص العمل أمام الشباب، فهناك مسؤولية تقع على الشاب نفسه.
هذه المسؤولية تحتم على الشاب أن يبني حياته بنفسه، أو يفكر ويخطط بذكاء، ولا يكل ولا يمل من البحث عن فرص العمل، ولا بأس من حالات الفشل الأولية، فهي بمثابة دفعات قوية إلى الأمام، تجعل من الشاب خبيرا في اقتناص الفرص العملية المناسبة، ولذلك مهم جدا ان نعثر على فرصتنا العملية بأنفسنا، خصوصا إذا كانت الحكومات عاجزة عن ذلك، وقد يقول قائل هذا الأمر يتطلب رأسمال وما شابه، لكن من المهم أن تبدأ بمشروعك الخاص.
واضبْ على العمل فيه رغم الفشل المتكرر، وكما قلنا إن تكرار الفشل يجب أن لا يدفع بالشاب إلى اليأس، بل عليه تعزيز محاولاته والتفكير بمشاريع أخرى، على أن يستفيد بدقة وذكاء من الأخطاء التي وقع فيها، وتبرز هنا أهمية الإصرار والإرادة القوية في التكرار، لأن الفرص لا تضيع كلها خصوصا إذا كنتَ من الساعين إلى الفرص بذكاء وديمومة لا تعرف الكلل.
إذا كانت الحكومات عاجزة عن تحريك ودعم وتشغيل القطاع الخاص لزيادة فرص العمل أمام الشباب، فهناك مسؤولية تقع على الشاب نفسه
وعندما تكون من هذا النوع من الشباب، فإن الفرص هي التي ستأتي إليك، وتطرق بابك، وتؤسس مشروعك، وتصرّ على تطويره بخطوات عملية ذكية خبرت هذه المصلحة أو تلك، وسوف تتجنب بشكل طوعي فرصة العثور على وظيفة حكومية، لأنها تحصر قدراتك، وتحجز مواهبك، وتقلل مواردك وحظوظك في حياة مرفَّهة مصدرها العمل الجاد والربح الحلال، وهذه النتيجة سوف تمنحك الاستقلالية التامة عن الاستعباد الوظيفي في الحياة.
