الهدى – متابعات ..
تُعد حلوى “الخرّيط” من أقدم الموروثات الغذائية في العراق، إذ يرجع تاريخ معرفة العراقيين بها إلى نحو 4000 عام.
وعلى الرغم من عراقتها وأهميتها، تواجه هذه الحلوى الموسمية المستخلصة من نبات البردي في الأهوار تحديات وجودية بفعل موجات الجفاف الحالية، التي أدت إلى انخفاض إنتاجها وارتفاع أسعارها بشكل كبير.
طريقة صناعة “الخرّيط”.. فن العزل والتحويل
واشتُق اسم “الخرّيط” من طريقة صناعته، التي تعتمد على عملية “الخرط”، أي سحب واستخراج المادة الصفراء البودرية التي تشبه الطحين من زهور نبات البردي. وتتم هذه العملية في موسم الربيع وتتطلب جهداً كبيراً، ويُطلق على من يقوم بها اسم “الخرّاط”.
وتشمل مراحل تصنيع الحلوى على:
- الجمع والخرط: سحب الكتل الهشة من نصل البردي لجمع المادة الصفراء.
- التجفيف: توضع المادة المجمعة في أوانٍ تحت الشمس حتى تجف.
- التصفية: تُفصل المادة البودرية عن الشوائب بتصفيتها عبر قطعة قماش.
- الطبخ والتقطيع: تُغلى المادة في قدر مملوء بالماء، وتُترك لتبرد، ثم تُقطّع على شكل مربعات لتكون جاهزة للتناول.
ذاكرة تاريخية وثروة فصلية لأهالي الجنوب
ويؤكد الكاتب والمؤرخ علي العقابي، أحد مؤرخي قضاء المجر الكبير بمحافظة ميسان، أن “الخرّيط” من أشهر الصناعات المحلية في جنوب العراق، وخاصة في مدينة المجر الكبير وأهوارها.
وتُباع هذه الحلوى الموسمية في الأسواق ابتداءً من شهري نيسان وأيار، ويستمر بيعها حتى تموز وآب وأيلول، وتشكل مصدراً مهماً للدخل الفصلي لسكان الأهوار.
وتشير فاطمة دعير، من أهالي أهوار الجبايش بمحافظة ذي قار، إلى أن العائلات كانت تنتج كميات تتراوح بين 40 إلى 100 كيلوغرام في موسم الصناعة، تحقق لهم أرباحاً جيدة تضاف إلى مردودات الزراعة والمنتجات الحيوانية.
كنـز صحي يعالج أمراض الجهاز الهضمي والقلب
ولا يقتصر الخريط على كونه حلوى تقليدية، بل يمتلك فوائد صحية عديدة أكدها المتخصصون.
وفي هذا الصدد، أوضح أخصائي الأغذية عبد الواحد الخفاجي، أن الخريط كحلوى نباتية “مفيدة جداً للجهاز الهضمي”، حيث يعالج أمراض القولون والمعدة، ويساعد على علاج حالات الإسهال والمغص المعوي. كما يُستخدم تقليدياً لمعالجة التهاب الحنجرة والقصبات الهوائية والرئتين، ويسهم في تنظيف المجاري البولية.
وأكد الخفاجي أن الخرّيط أثبت قدرته على تقوية العظام والأسنان عند الأطفال، ويؤدي دوراً مهماً في صحة القلب والأوعية الدموية، حيث يساعد على خفض ضغط الدم واستقرار نسبة الكوليسترول، لافتاً إلى أنه لا يشكل أي أضرار صحية على كبار السن.
الجفاف يضرب الإنتاج ويدفع بالأسعار للارتفاع
وشهد إنتاج الخرّيط انخفاضاً حاداً في تسعينيات القرن الماضي بسبب تجفيف الأهوار المتعمد، وعاد للنهوض بعد غمر الأهوار بالمياه. لكن الجفاف الحالي تسبب في أزمة جديدة، حيث أدى إلى ندرة المادة الخام وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
ويشكو البائعون من شح الكميات المسوقة، مقارنة بالأعوام السابقة. ويقول البائع خلدون الغزي (47 عاماً) من ذي قار، إن جمع وتصنيع الخريط أصبح “أصعب بكثير من السابق” مع قلة المياه، ما دفعه لإضافة منتجات أخرى لضمان استمراره في العمل.
وتنعكس هذه الندرة بشكل مباشر على الأسعار، التي تتراوح بين 50 ألف دينار للكيلوغرام الواحد خلال الموسم (نيسان، أيار، تموز، آب)، وترتفع إلى 100 ألف دينار بعد انقضاء هذه الأشهر.
وأدت ندرة المنتج المحلي إلى إصابة الصناعة بالكساد، ما دفع العراق إلى استيراد الخريط من بعض دول الجوار.
ورغم ذلك، يؤكد المختصون أن نكهة الخريط المنتج في جنوب العراق تظل مختلفة تماماً، وتحمل طعماً خاصاً يشد الأجيال إلى الذاكرة الجمعية والتراث الجنوبي.
وقد اضطر العديد من أهالي الأهوار، مثل منطقة (شان حلاب)، إلى الفرار والنزوح بحثاً عن مصادر المياه والعيش.
