يضجّ عالم اليوم بموجات هائلة من الانحراف، يتم إطلاقها بعد دراسات وتخطيط معمّق لتحقيق أهداف تدخل ضمن ما يسمى بـ (الحرب الثقافية)، فكما هو معروف لم تعد ظاهرة الاحتلال تحتاج إلى القوة المسلحة والجيوش العملاقة، وإنما تم استبدالها من المحلتين بوسائل أخرى وصفها وسمّاها المراقبون والباحثون بـ (القوة الناعمة).
الاحتلال بالقوة يحتاج إلى جنود بالملايين مع تجهيزاتهم المكلفة، ويحتاج أيضا إلى معدات حربية عالية الكلفة، بالإضافة إلى السمعة الرديئة التي تنال الدول القوية التي تسعى إلى السيطرة على دول ضعيفة بقوة السلاح، لذلك تم استبدال الاحتلال بالقوة إلى الاحتلال بأساليب ناعمة، وفي مقدمة هذه الأساليب هو أسلوب ما يسمى بالاحتلال الثقافي، لاسيما أن وسائل الإعلام والتوصيل في ظل العولمة والانترنيت وفّرت قدرات توصيلية وإعلامية هائلة لمن يحتاجها، فلجأت الدول الاستعمارية إلى أساليب القوة الناعمة وتركت الأسلوب الاستعماري القديم، وصارت تخطط لاحتلال الشعوب وحتى الأمم عبر ترويج الثقافات الوافدة.
ومن هذه الأساليب بث أفكار الانحراف للقيام بأكبر عملية غسيل للأدمغة، تستهدف الشباب على نحو خاص، بالإضافة إلى الفئات العمرية الأخرى، وقد لاحظنا ذلك بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي، وتلك المحاولات الحثيثة التي تقوم بها جهات ودول معروف تستهدف المسلمين (بالأخص العقلية الشابة المسلمة)، فتبث الأفكار المنحرفة لتغسل دماغ المسلم وتستبدل ثقافته الإسلامية العريقة بثقافة هجينة مدمرة تقوم على التشكيك والتذمر وعدم الانتماء وتشويه الدين والعقائد عبر موجات إلحادية مخطط لها، هدفها زعزعة البنية الثقافية الإسلامية وطرح البديل المنحرف لكي يتلقفه الشباب من خلال أساليب في غاية الدهاء والخبث.
إن شبكة الانترنيت المتاحة اليوم أمام المسلمين وغيرهم، أسهمت بشكل فعال في ترويج الثقافات المنحرفة، وإذا كانت الدول والشعوب المستهدَفة في السابق قادرة على منع دخول الأفكار من خلال عدم السماح لدخول الكتب إليها وعدم وصولها إلى القراء، فهذا الأسلوب لم يعد مفيدا في عصرنا هذا، حيث يمكن أن تصل الأفكار المنحرفة عبر شبكة الانترنيت والمنصات الإلكترونية المختلفة حيث يمكن تحميل الكتاب الذي يحمل أفكار تخريبية في ثوانٍ لا أكثر، وكما هو معلوم بأن كل شيء جديد مرغوب وينطبق عليه القول المعروف (كل ممنوع مرغوب)، لهذا نجد إقبالا على هذه الأفكار المنحرفة من قبل الشباب وغيرهم.
المطلوب حملات تثقيفية كبرى، يتم التخطيط لها بدقة وتنظيم عالٍ لمواجهة ظاهرة الاحتلال الناعم عبر ترويج الثقافات والأفكار والسلوكيات الغريبة عن ثقافتنا وتقاليدنا وتعاليمنا الدينية التي تسعى لحفظ الإسلام والمسلمين من مخاطر الانفلات الفكري الكبير الذي يعم عالمنا اليوم
هذا يجعل الخطر أكبر بكثير مما كان عليه من السابق، والأفكار المنحرفة يمكن أن تصل بسرعة إلى شبابنا المسلم، لهذا نحتاج إلى أسلوب مضاد ومانع لهذه الأفكار من التسلل إلى العقول الشابة، لهذا يجب على المعنيين بهذا الامر الالتفات إلى هذا الجانب وعليهم وضع الخطوات اللازمة والإجراءات المطلوبة لكي نحمي عقول شبابنا من موجات الفكر المنحرف التي تتدفق على مدار الساعة في شبكات التواصل وسواها من المنصات الإلكترونية لكي تغزو العقول وتدمر الثقافات الصالحة.
هذا يسترعي الانتباه الشديد ووضع الخطط الفعلية العملية الكفيلة بمكافحة الأفكار المنحرفة، وعدم السماح باحتلال العقول الغضة، وزرع الانحراف في نفوسها، هذا العمل المضاد ينطوي على صعوبات كبيرة، وتنسيق عالٍ وتكاليف مرتفعة أيضا، لكن كل هذه التكاليف المرتفعة أقل بكثير من تعرض العقول لموجات الغزو الفكري المنحرف، لأن ضياع العقول وزرعها بالثقافة المنحرفة يعني تدميرا شاملا لعقول شبابنا المسلم.
المطلوب حملات تثقيفية كبرى، يتم التخطيط لها بدقة وتنظيم عالٍ لمواجهة ظاهرة الاحتلال الناعم عبر ترويج الثقافات والأفكار والسلوكيات الغريبة عن ثقافتنا وتقاليدنا وتعاليمنا الدينية التي تسعى لحفظ الإسلام والمسلمين من مخاطر الانفلات الفكري الكبير الذي يعم عالمنا اليوم، إننا نحتاج إلى عمل إجرائي كبير يكون قادرا على المواجهة، والتصدي لكل الموجات الفكرية التي تسعى لاحتلالنا ثقافيا ومن ثم حدوث الاحتلال الفعلي في الواقع.
وأخيرا: نقول حماية الشباب من الانحراف يقع على طرفين مهمين، الأول هو الشباب أنفسهم عليهم حماية عقولهم وعدم الانجرار وراء الأفكار التلميعية والبهرجة الإعلامية الإعلانية الزائفة، فكل شاب مسلم اليوم يجب أن يفهم المخاطر من هذه الموجات الثقافية الناعمة، ويعرف ما هي أهدافها، ولماذا يتم توجيهها على العقول الغضة، كذلك يجب أن يكون الشاب محميا بثقافة ووعي كبير، من خلال الاطلاع الواسع والمستمر على جذوره الثقافية الإسلامية لكي يكون قدرا على التصدي لكل تخريب فكري منحرف.
