الهدى – متابعات ..
لم تعد خدمة توصيل الطلبات في العراق مجرد عمل إضافي، بل تحولت إلى مهنة أساسية للآلاف من الشباب، ورغم أنها توفر فرص عمل في ظل ندرة الوظائف، إلا أنها تخفي وراءها عالماً من التحديات والمخاطر، حيث يصفها الكثير من العاملين بأنها “مذلة” بسبب غياب الحقوق والتنظيم.
“مذلة واستعباد”: وجهة نظر العمال
علاء محمد، الخمسيني الذي كان يعمل في مجال التوصيل، يختصر معاناته بكلمة واحد، “مذلة”، هذه الكلمة تعكس إحباطاً عميقاً بين العاملين في هذا المجال.
ويرى علاء أن العمل كمندوب توصيل يجعله تحت رقابة مستمرة، لا يهتم فيها المديرون إلا بإنجاز المهام، دون أي اعتبار للمشاكل أو الحوادث التي قد يتعرض لها، واصفا الأمر بأنه “ديكتاتوري للغاية وكأنه استعباد من جانب أصحاب الشركات أو الزبائن”.
ويضيف علاء أن الأجور متدنية، حيث يتقاضى 2000 دينار عراقي فقط على الطلب الواحد، وهو مبلغ لا يغطي تكاليف الوقود وصيانة السيارة، فضلاً عن عدم وجود راتب ثابت، أو ضمان صحي، أو تقاعدي.
كما أن طبيعة العمل غير مستقرة، وتتأثر بتقييمات الزبائن وأمزجتهم، مما يدفع الكثيرين إلى المخاطرة لضمان الحصول على عمل. كما أن رفض الزبائن استلام الطلبات أو إعادتها يضع عبئاً مادياً على العامل، ما قد يؤدي إلى فصله في حال تراجع عدد الطلبات التي ينجزها.
تحديات اجتماعية وأمنية
قصة علاء تتكرر مع كثيرين، مثل سجاد حسين، الشاب العشريني الذي ترك مدينته الناصرية وجاء إلى بغداد بحثاً عن فرصة عمل.
ويؤكد سجاد أن عمل “الدليفري” يواجه نظرة سلبية من المجتمع، حيث ترفض بعض العائلات عمل أبنائها في هذه المهنة، كما أن بعض العاملين فيها يجدون صعوبة في الزواج بسبب الشائعات التي تتردد حول نقل مواد غير قانونية أو مخلة بالآداب.
وبالإضافة إلى التحديات الاجتماعية، يشير سجاد إلى أن الحصول على وظيفة في هذا المجال ليس سهلاً، إذ يتطلب “واسطة” أو معارف، خاصة في مجال توصيل البضائع، وهو ما يجعل هذه الفرص محدودة رغم أن القطاع يشهد نمواً هائلاً.
قطاع غير منظم ومحاولات لتشريعه
وتشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من 1000 شركة توصيل تعمل في العراق، بحجم أموال متداولة يصل إلى 11 تريليون دينار عراقي سنوياً. لكن غالبية هذه الشركات تعمل خارج الإطار الرسمي والضوابط الحكومية، لتفادي الضرائب والملاحقات القانونية.
وفي هذا الإطار، تسعى “نقابة عمال المنصات الإلكترونية في العراق”، والتي ما تزال قيد التأسيس، إلى تنظيم هذا القطاع وحماية حقوق العاملين.
ويؤكد رئيس لجنتها التحضيرية، هادي علي، أن النقابة ستطلق حملات لدفع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية نحو إصدار قوانين وتشريعات تحمي حقوق عمال التوصيل، وتنشئ قاعدة بيانات خاصة بهم.
تدخل حكومي واعد
وفي خطوة إيجابية، استقبل رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، مجموعة من شباب “الدليفري”، وأصدر حزمة من 17 توجيهاً تهدف لتسهيل عملهم وضمان حقوقهم.
وتحركت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فوراً، حيث أكد مدير دائرة العمل والتدريب المهني، أسامة مجيد الخفاجي، أن الوزارة بدأت باتخاذ إجراءات لشمول سائقي التوصيل بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.
وتلزم هذه الإجراءات الشركات بإدراج عمالها في برامج الوزارة، لضمان حصولهم على الرعاية الصحية والتقاعدية ومتابعة ظروفهم وفقاً للقوانين المعمول بها.
وتأمل هذه الإجراءات الحكومية الجديدة أن تكون بداية لإنهاء معاناة الآلاف من الشباب الذين يعملون في هذه المهنة، وتحويلها من مهنة محفوفة بالمخاطر وغياب الحقوق إلى عمل منظم ومستقر يوفر للعاملين فيه حياة كريمة.
