{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
سؤال يثير قلق الكثير ممن يعيشون اليوم ضغوطات معيشية بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية واعتماد الغالبية من الناس على الراتب الشهري المحدود، لكن أراه جميلاً لترطيب أجواء العلاقات الاجتماعية المحتاجة بشدّة الى جرعات أخلاقية تصونها من التصدّع من خلال إثارة مشاعر العطف المتبادل بين الافراد لما يتجاوز العنصر المادي –المالي- المحدود الى واحة العطاء في كل شيء بالحياة.
من الناحية النفسية؛ بعض الأعمال والتصرفات تترك أثرها في السلوك اليومي للإنسان، وأبسط مثال من واقعنا الراهن في الايغال بعالم المال والأعمال الى حدّ الذوبان بحيث لا يستشعر صاحبه بأي شيء في حياته سوى المال، والمال، أما الأطفال و الزوجة والأسرة، و الأقرباء والأصدقاء فان العلاقة بهم مرتبطة بحسن حال هذا العالم، إن حَسُن، فهي حَسِن، وإن ساءت فهي سَيئة.
وفي الشريعة الإسلامية ثمت أعمال ومهن وردت كراهيتها على لسان المعصوم، مثل كارهية امتهان “القصابية”، فقد ورد عن الامام الصادق، عليه السلام: أن “الجزار تُسلب منه الرحمة”، الى جانب مهن وأعمال أخرى مذكورة في هذا السياق مثل “الصرّاف لأنه لا يأمن من الربا”، و”بائع الطعام لأنه لا يأمن من الاحتكار”.
من أجل هذا ورد التأكيد للانتباه دائماً من مغبة المؤثرات الخارجية على السلوك الفردي، ومن الآية الكريمة التي صدرنا بها المقال نتعلّم كيفية التحلّي بصفات المؤمنين بأن يكونوا أشداء على أعداء الدين، ورحماء بين إخوانهم المؤمنين، فالمؤمن شديد وحازم وقاطع مع العدو خلال الحوار على مواقع التواصل الاجتماعي، او النقاشات المباشرة في الندوات والمؤتمرات، كما المؤمنون الأوائل كانوا يمارسون هذا الدور في سوح الجهاد بالسيوف والرماح، ولكن عندما يعودون الى بيوتهم وأصدقائهم يعودوا الى الودّ، والحب، والعطاء، والتسامح، والليّن في القلب واللسان.
العلاقة الإيمانية هي الأصل
بلى؛ نحن مدينون لبعضنا البعض بالأخلاق الحسنة التي تفوق في قيمتها المال والمنصب والعلاقات الدبلوماسية في عالم المال والسياسة، ولا علينا بممارسة الاعمال التي تثير فينا احياناً نزعات العنف والغضب والتملك، بقدر ما يعنينا المحافظة على الجذور الأخلاقية والقيمية في شخصيتنا، فعالم السياسة والمال والاعمال تمثل نزهة مهنية لا تستغرق سوى ساعات من اليوم، تبقى الساعات الأخرى لأفراد الأسرة وللعلاقات الاجتماعية بطابعها الايماني.
والمشكلة الحاصلة في الوقت الحاضر أن البعض يستغرق وقته وحياته كلها لما هو مؤقت، ويكون الدائم عنده العمل والارتباط بالصفقات والتحالفات، وحتى المشاحنات في وسائل التواصل الاجتماعي بما يطبع شخصيته وعلاقاته كلها بما يفعله ويمارسه يومياً، بدعوى أنه يؤدي “واجباً مقدساً”، أو “انه يمارس حقّاً مسلّماً له”.
وعندما نتحدث عن “العلاقات الايمانية” نعني بها المنتظمة وفق قواعد أرسى دعائمها القرآن الكريم، والمعصومون، عليهم السلام، وترتكز على الاعتماد الكلّي على الله –تعالى- وأنه الموفق، والرزاق، والمهيمن والقادر على كل شيء، وليس الانسان الفقير في كل شيء في هذه الحياة، ومن أبرز معالم هذا النمط من العلاقات ما نقرأه في القرآن الكريم من دعوات متكررة بأن يكون الجهاد والقتال والإنفاق والهجرة {فِي سَبيلِ الله}، {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، و{وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، و{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وهذا يتكرر في غير آية كريمة تأكيداً على أن مجمل الاعمال في حياة الانسان يجب ان تنتهي الى الله –تعالى- وليس الى غيره، وعندما تكون النهاية اليه، لابد أن تكون البداية مشابهة بالتأكيد.
نحن مدينون لبعضنا البعض بالأخلاق الحسنة التي تفوق في قيمتها المال والمنصب والعلاقات الدبلوماسية في عالم المال والسياسة، ولا علينا بممارسة الاعمال التي تثير فينا احياناً نزعات العنف والغضب والتملك، بقدر ما يعنينا المحافظة على الجذور الأخلاقية والقيمية في شخصيتنا
ونحن على أعتاب اجراء انتخابات برلمانية في العراق، نجد جميع المرشحين يُظهرون مشاعر الودّ والحب لجمهورهم في المدن والقرى والارياف، مطلقين العنان للوعود بتحسين الأوضاع المعيشية قبل أي شيء كونها تدغدغ المشاعر وتلامس القلوب المليئة بالهموم، بيد أن التجربة أثبتت للجميع أن من سبقهم من نواب البرلمان فعلوا الشيء نفسه في بداية الطريق، ولكن؛ نهاية الطريق كانت ليس في مسارات لا ترحم الجمهور بحالات فساد مالي مريع فقط، بل وفي مساومات وتحالفات ترضي الخصوم أكثر مما ترضي الله –تعالى- وترضي عباده المساكين، وهذا من اجل تحقيق بعض المكاسب السياسية التي لم نرَ أي أثر حقيقي لها على الواقع السياسي سوى بعض فتات الأموال والمناصب والامتيازات لبضع سنين فقط.
