يستمر الحديث حول التحديات المعاصرة؛ وكلنا وهو يعيش في هذه الحياة ويتفاعل مع الاحداث يعرف ماذا تعني الحديات، فهي تعني ان الرئيس الامريكي يهدد، أهل غزة المنكوبين المستضعَفين الذين قُتلوا بالسلاح الامريكي وهم حوالي خمسين ألف، وجرح أضعافهم، يهددهم بجحيم كبير حسب قوله.
ليس التحدي اليوم ان يأخذوا اموالنا او اماكننا، بل التحدي يشمل كل شيء حتى حياتنا.
الركيزة والقاعدة الاساسية في المجتمع الاسلامي هي التجمعات المؤمنة الصالحة، الشجاعة التي تستطيع ان تواجه، لان عامة الناس ـ في العادة ـ يتبعون قادتهم.
التجمع الرسالي نواة الامة الاسلامية التي يقول عنها الله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ} خير امة قد تتجسد في خمسة اشخاص، او عشرة، او اكثر من ذلك، او من مجاميع كبيرة.
واهم شيء في هذه التجمعات، القوية في ايمانها وتماسكها، وقوية في استعدادها للتضحيات، وهنا لابد ان تكون ركيزة اساسية لهذه التجمعات فما هي؟ هل الجاه والسلطة ركيزتها؟
الجواب على ذلك: الركيزة الاساسية للتجمعات الايمانية الرسالية هو التماسك، التآلف، والسؤال الذي ينبثق من ذلك: كيف نوفر الوحدة في هذه التجمعات؟
بداية؛ الله تعالى هو الذي يؤلف بين قلوبهم، {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
هناك مجموعة كبيرة من الشروط الموضوعية الصعبة لطاعة من يطيع الله، فالطاعة تكون بإذن الله، وهذا ما نجده في عدد من الآيات
ربنا سبحانه وتعالى يبين سبيل الوحدة، هو الاعتصام بحبل الله وهو الذي يجعل التجمعات قوة لا يستهان بها، وحبل الله هي الطاعة؛ طاعة الله، وطاعة الرسول، وطاعة أُولي الأمر الذين عيّنهم رسول الله، صلى الله صلى الله عليه وآله، وهم خلفاؤه، وايضا الذين عينهم الائمة وهم خلفاؤهم.
الطاعة آخر ما يقوم به الانسان، لان عنده أنانية وذاتية، و يحب نفسه، إلا اُضطر الى ذلك (بالعصا) او بالايمان الكافي العالي، لذلك قال الإمام الصادق، عليه السلام: “إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ” . الناس صلوا وصاموا وحجّوا، لكن حين وصلوا الى مسألة الطاعة زلّت أقدامهم.
تهيئة الأرضية للطاعة
الاسلام يوفّر الاجواء للإنسان المؤمن التي تجعله يطيع الله، ومَن ينبغي ان يطيع من اولياء الله، الرسول، والإمام، لكن حين يصل الامر الى الطاعة الفعلية للقائد، يحدث عند الانسان تردد، لان ابليس لم يطع الله حين امره بالسجود لادم، وهو ـ ابليس ـ يوسوس الينا ولا يدعنا نطيع الله.
الثقافة الالهية القرآنية، ثقافة أهل البيت التي بثوها وما فيها من بصائر، توفّر للانسان أرضية لكي يكون مطيعا لله، وتوفر الارضية عبر الاسباب التالية:
اولا: الارضية الاساسية انه ينهى عن طاعة النفس الأمارة بالسوء، ويمنع من اتباع الهوى، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. هوى النفس هو الذي يؤدي الى اطاعة غير الله، {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}.
ثانيا: ينهى عن طاعة الجبت والطاغوت، فالأول هو مجموعة من الشهوات والعصبيات والثقافات الباطلة، والطاغوت هو من يحمل السلاح ويمتلك الاموال ويجعل الناس يطيعونه إما بالعصر او الجَزر كما يقال، معاوية أمّر ابنه على الناس بالسيف، وتلك الحادثة مشهورة في المدينة المنورة حينما جمع الناس، فقام احدهم: هذا الخليفة يقصد معاوية فإن مات فهذا (يزيد) ومن يأبى ـ واشار الى السيف ـ فسيكون مصيره الموت بهذا. وهارون العباسي خطاب احد ابنائه: لو نازعتني هذا الملك لاخذت ما في عينيك. والمأمون قتل أخاه الأمين على الملك!
ثالثا: هناك مجموعة كبيرة من الشروط الموضوعية الصعبة لطاعة من يطيع الله، فالطاعة تكون بإذن الله، وهذا ما نجده في عدد من الآيات، منها آيات في سورة المائدة، {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} والفرق بين الهدى والنور، يبدو أن الاول قبس من الثاني. {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ}، النبي هو الذي اسلم وجهه لله تعالى، ولا يوجد عنده أي نوع من الذاتيات، والربانيون هم الذين يتصلون بالرب سبحانه وتعالى، وتربيتهم إلهية، والاحبار درجتهم اقل من الربانيين.
الاحبار وهم العلماء لابد ان تتوافر فيهم صفات تسوّغ لهم قيادة الناس، وقد قد يسأل البعض ما فائدة الحديث عن الاحبار؟
الجواب: حديث القرآن عن الاحبار انما هو لفائد لنا، لانهم قدوة لنا، {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} لديهم معرفة بكتاب الله، في حديث لامير المؤمنين عليه السلام: “اولى الناس بهذا الامر (القيادة) أعلمهم بكتاب الله”، ومن دون القرآن الكريم لا معنى للعالِم، فأساس العالم علمه بالقرآن. {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} وكلمة شهيد في القرآن تعني قائد، اي انهم يطبقون كتاب الله، {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}، اما القتيل في القرآن فقد ورد بلفظ القتيل. وتلك صفتان للعلماء، معرفتهم بالكتاب اولا، وثانيا انهم يحكمون بما اُنزل في الكتاب، أي انهم يتصدون.
والصفة السلبية الثالثة التي يجب ان لا تكون فيهم {فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي} فالعالِم لا يخاف من اصحاب السلطة، والثروة، او الناس الآخرين.
أما الصفة الرابعة {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} والسؤال: هل يمكن ان نشتري بآيات الله ثمنا كبيرا؟
والجواب: لا، لانه لا يوجد ثمن أغلى من القرآن، ولا أرفع من الدِين، ورد أن معاوية أعطى سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام بأن قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} إنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. وإن قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ}. نزل في ابن ملجم أشقى مراد. وفعلا فقد باع ابن جندب دينه ازاء مبلغ من المال.
الثقافة الالهية القرآنية، ثقافة أهل البيت التي بثوها وما فيها من بصائر، توفّر للانسان أرضية لكي يكون مطيعا لله
بعد أن بيّن القرآن الكريم صفات الأحبار (العلماء) يقول: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} عالِم الدِين لو لم تتوفر فيه الصفات الأربع، وحكم بغير ما انزل الله يصير كافر، وإن صلى وصام.
وبين القرآن الكريم في آيات كثيرة عدم اتباع الهوى، ويبيّن أن قيادة الأحبار (علماء الدين) والربانيين هو اقامة القسط، {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.
من الاسس التي ثقّف القرآن الكريم وأهل البيت عليها في للمجتمع المسلم هي عدم طاعة الجبت والطاغوت، وعدم طاعة من يدعّي الدِين ولكن لا يطيع الله، ولا يحكم بالقرآن، ولا يحكم بما أمر الله والنبي وأهل بيته.
___________
مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
