الأخبار

قمة الدوحة الطارئة: بين مطالب الفلسطينيين ومسودة “التطبيع” العربي

الهدى – متابعات ..

بينما تتواصل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة للشهر الرابع والعشرين، تستضيف العاصمة القطرية الدوحة، اليوم الاثنين، القمة العربية الإسلامية الطارئة، والتي تأتي على خلفية هجوم “إسرائيلي” استهدف الدوحة الأسبوع الماضي.

ورغم أن هذا الاعتداء غير المسبوق استهدف عاصمة عربية، يبدو أن القمة تسير على خطى سابقتها، حيث كشفت المسودة النهائية لبيانها عن موقف لا يرقى لمستوى الكارثة، فيما قدمت الفصائل الفلسطينية مطالب واضحة بوقف العدوان.

مسودة القرار: تهديد التطبيع بدلاً من الردع

وجاء في مسودة القرار أن “الاعتداء الإسرائيلي على قطر، واستمرار أعمال إسرائيل العدائية، بما في ذلك الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع والحصار والأنشطة الاستيطانية والسياسات التوسعية، يُهدد آفاق السلام والتعايش في المنطقة، ويقوض كل ما تحقق في مسار التطبيع بما في ذلك الاتفاقيات الحالية والمستقبلية”.

وهذا النص أثار سخرية وغضبًا واسعين، إذ اعتبره البعض دليلًا على أن القمة تضع مصالح التطبيع فوق مآسي الشعوب.

وفي هذا الصدد، علّق الباحث السياسي صالح أبو عزة بأن “الذي كان يأمل من القمة موقفاً مغايراً فليقرأ مسودة البيان”، مضيفًا بسخرية أن المسودة تقول: “نحن العرب قررنا التمتّع بحضن إسرائيل والانغماس فيه، فلا تحرمونا ذلك!”.

من جهته، سخر الإعلامي التونسي حسام الهمادي بالقول إن “يحيى سريع يهتم به المواطن العربي أكثر من بيان القمم العربية والإسلامية”، في إشارة إلى أن المواقف التي يُعبّر عنها المتحدث العسكري اليمني لها صدى أوسع من بيانات القمم.

كما كتب الناشط علي جزيني، أن من يتوقع “مخرجًا مغايرًا من القمة العربية عنده مشكلة براسه”، مؤكدًا أن الأنظمة العربية “لم تكن لتوجد بدون إسرائيل لقمعنا”.

الفصائل الفلسطينية تطالب بخطوات عملية

وفي رسالة مفتوحة وجهتها الفصائل والقوى الفلسطينية إلى القمة، أكدت على أن العدوان الصهيوني على قطاع غزة دخل شهره الرابع والعشرين، مخلفًا مآسي إنسانية غير مسبوقة.

وشددت الرسالة على أن “الجرائم الإسرائيلية لم تقتصر على الشعب الفلسطيني فحسب، بل امتدّت آثارها لتهدّد أمن واستقرار الأمة العربية والإسلامية بأسرها”.

وطالبت الفصائل المجتمعين بـإجراءات عاجلة وفعالة لوقف حرب الإبادة في غزة، على رأسها، تشكيل تحالف عربي – دولي للضغط على الاحتلال وداعميه، وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك واستخدام سلاح النفط، وفرض عقوبات عربية متكاملة على “إسرائيل”.

كما طالبت بتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة لغزة وتأمين احتياجات النازحين، واعتماد استراتيجية موحدة لحماية القدس والمسجد الأقصى والضفة الغربية، فضلا عن تعزيز التضامن العربي والإسلامي في مواجهة “إسرائيل الكبرى”.

رسالة من صنعاء: دعوة لشرعنة المقاومة

وفي سياق متصل، بعث عضو المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي برسالة مقتضبة للقمة، دعا فيها إلى اتخاذ موقف قوي وحقيقي.

وقال في رسالته إن أقوى موقف يمكن أن تتخذه القمة هو التأكيد على شرعية جهاد المحتل الصهيوني ودعم مقاومته، مضيفا أن إعلان “إسرائيل” كيانًا إرهابيًا كفيل بإعادة الردع وإيقاف “العربدة والاستباحة”.

وأمام هذه المطالب المحقة من قلب القطاع المهدم والمحاصر، وبالنظر إلى المسودة التي يتوقع إقرارها، يبدو واضحًا أن القمة ستكون حلقة جديدة من مسلسل القمم العربية التي تكتفي بالبيانات بدلًا من الأفعال، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه الاجتماعات في ظل الأزمات الوجودية التي تواجهها الأمة.

هذا ولم تعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة القطرية الدوحة مجرد حادثة عابرة، بل تحولت إلى نقطة تحول مفصلية قد تعيد رسم المشهد الأمني في منطقة الخليج بأسرها.

فقد كشفت هذه العملية، التي لم تستهدف فقط دولة خليجية، بل عاصمة تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، عن هشاشة المنظومة الأمنية القائمة وتآكل مفهوم الحماية الأميركية الذي استندت إليه دول الخليج لعقود طويلة.

وفي حوار صحفي، اعتبر الكاتب والإعلامي البحريني الدكتور جواد عبد الوهاب أن هذا الاعتداء يحمل رسائل متعددة الأبعاد، موجهة للفلسطينيين ودول الخليج على حد سواء.

رسائل الضربة: من الداخل الفلسطيني إلى دول الخليج

ويرى الدكتور عبد الوهاب أن العملية تمثل سابقة خطيرة في سجل العدوان الإسرائيلي، وتحمل دلالات عميقة، ابرزها رسالة للفلسطينيين، مفادها أنه لا يوجد ملاذ آمن لقادة المقاومة، حتى خارج مناطق المواجهة المباشرة. هذه الرسالة تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية وإيصال فكرة بأن الكيان الصهيوني قادر على الوصول إلى أي هدف يراه تهديدًا.

كما انها تحمل رسالة لدول الخليج، حيث أثبتت الضربة أن “إسرائيل” قادرة على اختراق أي دولة في المنطقة، مما ينسف المقولة التي روجتها بعض الحكومات الخليجية بأن التطبيع مع تل أبيب سيوفر حماية لها من “الخطر الإيراني”.

وبحسب الدكتور عبد الوهاب، فإن هذا الاعتداء “هدم تمامًا” كل المبررات التي سوقتها حكومات مثل الإمارات والبحرين عند هرولتها نحو التطبيع.

وهم الأمن الجماعي والحماية الأميركية

وشدد الأكاديمي البحريني على أن استهداف قطر، الحليف الاستراتيجي لواشنطن ومستضيفة قاعدة “العديد”، لم يكن مجرد هجوم عسكري. بل كان رسالة مزدوجة موجهة للدوحة وواشنطن معًا.

فقد أرادت “إسرائيل” إحراج قطر التي تلعب دورًا وسيطًا أساسيًا في المنطقة، وتتميز بمواقف سياسية وإعلامية مؤثرة، كما ان الهجوم كان اختبارًا لقدرة واشنطن أو رغبتها في لجم الاعتداءات الإسرائيلية.

وأشار الدكتور عبد الوهاب إلى أن البيان الباهت الذي أصدره مجلس الأمن، والذي جاء بعد تهديد أميركي باستخدام الفيتو، يؤكد أن حماية حلفائها الخليجيين ليست أولوية قصوى لواشنطن مقارنة بحماية “إسرائيل”.

كما وضع الهجوم مفهوم الأمن الجماعي الخليجي على المحك، حيث لم تتحرك “قوات درع الجزيرة” لحماية دولة عضو في المجلس، على الرغم من أن ميثاقها ينص على ذلك. هذا التجاهل كشف عن أن هذه القوات وُجدت في الأساس لمواجهة “التهديدات الداخلية” وقمع الاحتجاجات الشعبية، وليس لمواجهة التهديدات الخارجية.

الدوحة بين التهدئة والواقع الأمني الجديد

ويرى الدكتور عبد الوهاب أن تبرير الدوحة للهجوم بأنه استخدم أدوات لا ترصدها الرادارات ليس مقنعًا، ويؤكد أن ما حدث كشف حدود الدور الأميركي في حماية المنطقة.

كما شكك في الرواية الرسمية التي تزعم أن واشنطن والدوحة لم تكونا على علم مسبق بالضربة، معتبرًا أن من غير المنطقي أن تقدم “إسرائيل” على مثل هذه العملية دون تنسيق أو إبلاغ الأميركيين.

مرحلة جديدة: إعادة تقييم التحالفات

وفي ختام حواره، أكد الدكتور عبد الوهاب أن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة قد يكون بداية مرحلة مختلفة في علاقة الخليج مع واشنطن وتل أبيب.

فقد أدركت دول الخليج أن المليارات التي دفعتها للحماية الغربية لم تمنع العدوان، مما قد يدفعها إلى إعادة تقييم خياراتها الأمنية. ورغم استبعاد اتخاذ خطوات جذرية تهدد التحالفات مع واشنطن، إلا أن هذه الدول قد تضطر إلى التقارب مع قوى إقليمية أخرى كتركيا أو إيران لتحقيق نوع من التوازن.

وأشار إلى أن رد الفعل الدولي الضعيف، خاصة من الولايات المتحدة وأوروبا، فتح الباب أمام قوى مثل روسيا والصين لتقديم نفسها كوسطاء محتملين في المنطقة، مما يعد إشارة إلى تراجع الهيمنة الأميركية المطلقة.

,هذه الضربة، بحسب الدكتور عبد الوهاب، تضع دول الخليج أمام مراجعة جذرية لسياساتها الأمنية والاقتصادية بعد عقود من الاعتماد على الغير، وإلا فإنها ستبقى رهينة للابتزاز الخارجي.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا