يذكر صاحب كتاب قصة الحضارة ويل ديورانت اطلعت على حضارات المغرب والمشرق: “لم ارى قائدا استطاع بناء حضارة في مدة 23 سنة كما فعل هذا الرجل العظيم”، ويقصد رسول الله، محمد، صل الله عليه وآله وسلم.
أقول؛ و أجري على الله فيما أقول: اننا مقصرون بحق نبينا الاكرم، تلك الروح المقدسة وتلك الدرجة الرفيعة لا نستطيع إدراكها أو معرفتها، وان المعرفة لها درجات ولابد أن نصعد تدريجياً في معرفة شخصية رسول الله، ومن أجل معرفته، لابد أن نتأمل في سيرته أولا؛ أنه كان يُلقب بالصادق الامين لأن قريش كانت تأتمنه على حاجاتها قبل الإسلام، وعرف بالأوساط التجارية آنذاك أنه امين في تجارته، لذلك عرف بالصادق الأمين.
رسول الله اراد منا في مسيرته العطرة أن يذكر أننا لابد أن نتحمل مسؤوليتنا الاجتماعية ونغير من الواقع مهما كان.
إن التاريخ بتعاقبه كوّن ضبابية على شخصية رسول الله بسبب من أتى بعده من حكومات، فهناك فئة كبيرة من الناس تظن أن شخصية رسول الله انقطعت منذ 1400 سنة، وهذا ما أدى إلى الانتكاسة الكبيرة التي لحقت بالأمة الإسلامية، أي انه حصلت فجوة بيننا وبين رسول الله كمجتمع اسلامي لعدة أسباب منها: أن الحكومات المتعاقبة وجهت فكر الأمة بأن تلك الحكومات تمثل حكم رسول الله، فصارت المجتمعات في حيرة بين ما تقرأه عن رحمة رسول الله وبساطة حكمه، وكان في الناس كأحدهم، وبين ما لابد لهم من إطاعة الحكام كونهم ولي أمر، رغم ما يعملوه من قسوة وقتل ونهب ثروات البلدان، وهذا ما فعلته الدولة الأموية والعباسية.
لذلك تشكّل في وعي الجماهير، و إلى الآن، أن حكوماتهم ونظامهم في الحكم أنهم هم من يمثلون الامتداد لرسول الله، لذا لا حاجة للرسول أيضا ما دام هناك من يمثله.
تقول لي ما دخل نظرية الحكم بواقع الأمة، وربطه برسول الله؟
أقول ان لسلطة الحكم تأثير مباشر على حياة الناس، وعلى حالتهم الاجتماعية وعلى حالتهم الاقتصادية والسياسية، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في الانقلاب على الادبار.
ودونك الأمة الإسلامية اليوم لا تحرك ساكنا أمام ما يحصل من مجازر في غزة ولبنان واليمن، ومن أي ظلم حدث أو يحدث في الأمة.
فنقدم سؤالا افتراضيا هنا: ماذا لو كان رسول الله حاضرا، هل سيكون نفس الوضع ونفس الخنوع والتخاذل الحاصل اليوم عند من يمثلون الإسلام؟ ولو سأل كل واحد نفسه هذا السؤال من المليار مسلم الموجودين لما حدث ما حدث؟
سيرى أن لهذا الأمر جذور، فكم من كانوا حول الرسول، ويصلون خلفه ولكن كانوا بعيدين عن روحه، فبعد وفاة رسول الله، أمر أحد الخلفاء بجمع كل من دوّن حديثا لرسول الله، وقد ظن الناس أنهم سيعملون جمعاً لهذه الأحاديث، على الأقل، متحفا يجمع هذه الأحاديث القيمة التي تعد منهجا ودستورا، لكن للأسف، ما حصل هو حرقه لتلك الاحاديث! وهناك كثير من الظلامات لنبينا مثل هذا القبيل وعلى أهل بيته من بعده.
ولكن لم يفت الأوان لأن نعود فاذا أرادت الأمة العودة على السكة الصحيحة لابد أن يعودوا إلى رسول الله بشرط أن يعودوا من خلال الامتداد الطبيعي والشرعي لرسول الله، صلى الله عليه وآله، وهذا الامتداد هو ما أوصى به النبي نفسه وهو القرآن والعترة، وان ينهلوا من احاديث النبي والعترة في اتخاذ الأمة لموقفها ومواجهتها للتحديات الحاصلة، وإلا فنخاف أن لا تشملنا شفاعة النبي، صلى الله عليه وآله، و الشفاعة تعني أن هناك شافع وهو الله ومشفع وهو النبي، صلوات الله عليه، أليس النبي دنا وتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى من العلي الأعلى! إذن لماذا لا ندنو نحن من رسول الله، ومن هذه الرحمة الإلهية؛ الشفاعة المحمدية، ولا تكون الشفاعة كما في الآية الكريمة {ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى}. (سورة الأنبياء، الاية: ٢٨).
سُئل الامام الرضا عن هذه الآية فقال: “لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى الله دينه”، فعلينا أن نقتبس من نور حياة هذا الرسول العظيم صلوات الله عليه وآله وسلم، وندنو لننال الشفاعة.
