نعيش هذه الأيام ذكرى ولادة أشرف الأنبياء وخاتمهم محمد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وحريّ بنا كمسلمين أن نجعلَ من هذه المناسبة عاملا تحفيزيا كبيرا كي نسترشد بالسيرة النبوية العظيمة، وبالأخلاق النبوية التي أسست لبناء وتعضيد بنية أخلاقية ومنظومة واضحة المعالم، ومحددة الأهداف، تبيّنت معالمها للمسلمين ولغيرهم من خلال بناء مجتمع متماسك تسوده القيم النبوية الخلّاقة.
وفي هذه المناسبة المباركة علينا جميعا كمسلمين وكمنتمين للإسلام، أن نسترشد بالسيرة النبوية الكريمة، ونتخذ منها مثالا نسيرُ في هديه، ونمضي قُدما في حياتنا، وأن نُبحر في سيرة العترة المطهرة، ونسترشد بها لاسيما شبابنا وهم يقتحمون دروب الحياة الشاقة والمليئة بمصاعب لا حدود لها، ذلك لأن الشباب هم أحوج الناس إلى النصح وإلى خبرات حياتية وأخلاقية ودينية تضع أقدامهم على السراط المستقيم.
فمن غير الاستقامة لا يمكن لأي شاب مهما علا كعبه، وتراكمت قدراته أن يسير في طريق الحياة بسلامة، إلا إذا اكتسب خبراته من النماذج العظيمة التي يهتدي بها، ويكتشف من خلالها تلك الثغرات التي لا يمكن ملْأها إلا من خلال انتهاج منظومة قيم أخلاقية من الطراز الرفيع، وهذا لا يمكن العثور عليه إلا في شخصيات تركت أثرها في التاريخ وتأثيرها على البشرية، كما فعل الرسول الاكرم محمد، صلى الله عليه وآله، ومن بعده أئمة أهل البيت، عليهم السلام، حيث قدّموا للمسلمين ولأهل الأرض قاطبة أعظم الأمثلة الأخلاقية.
لهذا كل شاب من شبابنا المسلمين ومن بقية الفئات العمرية الأخرى، أن يسترشد بالسيرة النبوية الكريمة، بأدق تفاصيلها، وكذلك بسيرة أهل البيت عليهم السلام، فلا يمكن لأي إنسان أن يغلق عينيه ويغلق بصيرته عن الخبرات والتجارب الأخرى أن يعبر طريق الدنيا بسلام، لهذا يجب عليه البحث المستمر في الخبرات الأخرى واستحصال الدروس منها.
ولعلَّ أهم وأعظم هذه الخبرات والدروس هي الأخلاقية أولا، لأن الأخلاق تفتح مصاريع الأبواب المغلقة أمام الإنسان، وترشده نحو الأهداف التي لا يمكن أن ينالها الإنسان إلا عبر هذا الإرشاد الأخلاقي العظيم، فهذا الهدف ينبغي أن يكون فرديا، وجماعيا في نفس الوقت، بمعنى هناك مسؤولية على الإنسان وعلى الشاب في قضية العثور على الدروس التي تمهد له طريق الاستقامة والاسترشاد السليم.
من غير الاستقامة لا يمكن لأي شاب مهما علا كعبه، وتراكمت قدراته أن يسير في طريق الحياة بسلامة، إلا إذا اكتسب خبراته من النماذج العظيمة التي يهتدي بها
وما يجب علينا مراعاته، وبذل الكثير من المساعي والجهود لتحقيق أهدافنا الصحيحة والمشروعة، هو الاطلاع التام عبر المطالعة المستمرة على سيرة الرسول، صلى الله عليه وآله، وسيرة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، فمن خلا هذه المساعي الدؤوبة للاطلاع على هذه السِيَر، يمكن قطف الثمار القادرة على إرشاد الإنسان نحو السبل السليمة التي تقوده نحو المخارج الصحيحة من هذه الحياة الفانية التي لا يؤتمَن جانبها ولا تُعرَف عُقباها.
أما الإنسان الذي يغمض عينيه عن هذه الحقيقة، ويركب رأسه، وتأخذه العزة بالإثم، فإنه سوف يتلقى العواقب الوخيمة التي يتلقاها كل إنسان لا يذهب باحثا عن الرشد، ساعيا وراء الاسترشاد الأخلاقي قبل سواه، مستمرا في مساعيه بخصوص التميز العلمي، والديني، والثقافي، والاجتماعي، ولكن لابد أن تكون الأخلاق في مركز الصدارة لتوجيه الإنسان وقيادته في حياته العملية، فلا قيمة للبشر بلا أخلاق حتى لو امتلك كل شيء، ولا قيمة للشاب والإنسان بشكل عام إذا امتلك كل شيء وافتقد للأخلاق التي لا يمكن الحصول عليها إلا عبر الاسترشاد المسبق.
لهذا نحن نكرر دائما في هذه الكلمة وفي سواها ونؤكد على الأهمية القصوى للأخلاق، وهي موجودة في السيرة النبوية الكريمة وفي سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام، ويمكن الحصول عليها والاسترشاد بها، من خلال تعقّب واقتفاء خطوات وتفاصيل هذه السيرة الكريمة، وكل من يسعى إلى كمال المنظومة الأخلاقية وهو بعيد عن مطالعة السيرة المحمدية والاسترشاد بها، فهو كمن يسعى لجمع الهواء في شبك، وهذا أمر أقرب إلى المحال.
لذا علينا الاحتفال بمناسبة ولادة نبينا صلى الله عليه وآله، والإصرار على مطالعة سيرته بما لا يقبل التأجيل، وعلينا التركيز على هدف الاسترشاد من هذه السيرة العظمى، فهي سبيل الإنسان والبشرية نحو الخلاص من مشاقّ ومصاعب الدنيا التي لا ولن تنتهي طالما كان الإنسان (الشاب وغيره) على قيد الحياة.
