الأخبار

أزمة الزراعة العراقية؛ جفاف يهدد الأرض وسوق يغرق الإنتاج المحلي

الهدى – متابعات ..

لم تعد الزراعة في العراق مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة وطنية مركبة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد، وتؤثر على البيئة والمعيشة اليومية للمواطنين.

ويعيش الفلاح العراقي اليوم بين مطرقة الجفاف الشديد وسندان الأسواق المفتوحة التي تكتظ بالمنتجات المستوردة، مما يضع مستقبل القطاع الزراعي على المحك.

ويواجه القطاع الزراعي أزمة متفاقمة تتجلى في تقلص المساحات المزروعة وشح الموارد المائية، مما أدى إلى تدهور واضح في إنتاج المحاصيل.

ورغم وجود أكثر من 51 مليون دونم من الأراضي الصالحة للزراعة، إلا أن المستغل منها فعليًا محدود جدًا، ما يعكس فجوة هائلة بين الإمكانات النظرية والواقع الفعلي.

وهذا الخلل انعكس سلبًا على الأمن الغذائي، حيث أصبح العراق يعتمد بشكل متزايد على الاستيراد لتلبية احتياجاته.

أربعة عوامل رئيسة لأزمة المياه

وأكد المتحدث باسم وزارة الموارد المائية، خالد الشمال، أن الحكومة تعمل على مواجهة أزمة المياه التي تهدد القطاع الزراعي.

وأوضح أن الأزمة تعود إلى أربعة عوامل رئيسة، وهي الاعتماد على المياه العابرة للحدود، حيث ان أكثر من 70% من إيرادات العراق المائية تأتي من تركيا، وإيران، وسوريا.

ومشاريع دول الجوار، وهي، مشاريع السدود والتحويلات المائية الكبرى في دول الجوار والتي تؤثر بشكل مباشر على حصة العراق المائية.

والامر الثالث، بحسب الشمال، هو تراجع معدلات الأمطار، فقد شهدت السنوات الأربع الماضية (2021-2024) انخفاضًا كبيرًا في معدلات هطول الأمطار والثلوج، والرابع والاخير يتعلق بالتغيرات المناخية والمرتبطة بارتفاع درجات الحرارة الذي يؤدي إلى زيادة معدلات التبخر.

إجراءات حكومية ومعاناة في ذي قار

ولمواجهة هذه الأزمة، أشار الشمال إلى أن الحكومة حولت ملف المياه إلى قضية سيادية مرتبطة مباشرة برئاسة الوزراء، وأطلقت حملة وطنية لإزالة التجاوزات على الموارد المائية، ووضعت خططًا لتوزيع المياه بشكل عادل.

وفي المقابل، تعاني محافظة ذي قار بشكل خاص من التغيّرات المناخية، حيث تضررت مساحات واسعة من الأهوار، ما أدى إلى نزوح أكثر من 10 آلاف و400 نازح من مناطقهم، وفقًا لرئيس لجنة أزمة التصحر والجفاف، حيدر سعدي إبراهيم.

وأوضح أن هذا النزوح حوّل السكان من منتجين إلى مستهلكين، مهددًا الأمن الغذائي والاقتصادي للمنطقة بأكملها.

تأثيرات اقتصادية وسبل مواجهة الأزمة

وأثر تراجع الإنتاج الزراعي بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني، حيث انخفض إنتاج الحبوب والخضروات بنسبة تتراوح بين 30% و50% خلال السنوات الأربع الماضية، وهذا النقص دفع العراق لزيادة الاعتماد على الاستيراد، مما رفع تكلفة الغذاء وأثر على القوة الشرائية للأسر.

الخبير الاقتصادي صالح الهاشمي، يرى أن الأزمة الاقتصادية الحالية هي نتيجة مباشرة لتراجع الإنتاج المحلي.

وطالب بضرورة إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية والزراعية، ودمج إدارة الموارد المائية مع استراتيجيات الاقتصاد الوطني، ودعم الفلاحين عبر برامج مستدامة.

من جهته، اقترح الدكتور سامي الجابري، خبير الزراعة المستدامة، استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة مؤقتة لتحسين إدارة الموارد الزراعية وتقليل الخسائر.

وأوضح أن هذه التقنيات يمكن أن تساعد الفلاحين في مراقبة صحة المحاصيل بدقة وتوزيع المياه والأسمدة بشكل أفضل، لكنه أكد أن هذه الحلول الرقمية لا تغني عن السياسات الوطنية طويلة المدى.

صوت الفلاح: “الجفاف يهدد حياتنا”

ويلخص الفلاح حسن كريم العوادي، من الحلة، أزمة آلاف المزارعين، قائلاً: “الأرض عطشى، والمنتجات المستوردة تغرق السوق بأسعار لا نستطيع منافستها، الفلاح يخسر مرتين: مرة أمام عطش التربة، ومرة أمام منافسة لا يستطيع مجاراتها. إذا لم يكن هناك دعم مباشر من الحكومة، مثل ضمان حصص مائية مستدامة وحماية المنتج المحلي، سيستمر التراجع وقد يضطر المزيد من المزارعين لترك الأرض.”

ويعكس صوت العوادي مأزقًا يوميًا يعيشه آلاف الفلاحين العراقيين، في مواجهة قاسية بين تدهور البيئة وقسوة الأسواق المفتوحة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا