منذ اليوم الأول تصدى شياطين الجن و الأنس و فسقة العرب و العجم ليطفئوا نور الله المتمثل في بزوغ محمد و آل محمد، و شيعتهم، و يأبى الله إلا أن يُتمَّ نوره بالمهدي المنتظر ولو كره المشركون و الكافرون و المنافقون.
أجيال من الرساليين و الرساليات تتدفق في ذات الدرب الذي خطه الانبياء و المرسلون، رافعين لواء الحق و العدل و الحرية .
الطريق موحشٌ و مظلم، و الصعود اليه شاق و مرهق، و لكن بقية النور المحمدي تواصل المسيرة، و أرجلهم مُدمّاة كما أدميت قدما رسولهم، مستقيمين يخوضون الغمرات قابضين في أكفهم على جمرة الحق المهدوي، رافعين راية وارث الأنبياء، عليهم السلام، و قدوتهم جبل الصبر زينب ابنة الضرغام؛ علي، عليه السلام.
خمسة عشر قرنًا مرّت، والعالم لا يزال يتهجّى اسمك يا رسول الله، ويرتّل آيات النور التي نزلت عليك، ويستضيء بسيرتك الطاهرة، ويحنّ إلى صوتك الذي صدح بالتوحيد، و حرر الانسان من عبودية المتسلطين وسط ظلام الجاهلية، فأيقظ الأرواح من سباتها، وانتشل الإنسانية من مهاوي الضياع في مؤامرة زيف الجبت و الطاغوت .
يا أبا الزهراء
و إن ظن المتآمرون انهم نجحوا في سرقة المشروع المحمدي، و أسسوا ممالك أموية او عباسية او عثمانية او متصهينة، إلا أن بقية النور المحمدي الحسيني لا تزال تواصل المسير و التحدي، و في عيونهم بريق الايمان بالانتصار المهدوي يوم تشرق الارض بنور ربها، و هنالك يوم الفتح حيث تظهر ثمرة التضحيات العلوية و الآلام الفاطمية، و يعلن الموعود قيام دولة العدل الالهي المحمدية.
يا رسول اللهيا من خُلقت نورا قبل أن تُخلق جسدا طاهراً مطهرا. وكنت نبيًا وآدم بين الماء والطين، يا من قال فيك رب العرش: “وَمَا أرْسَلناكَ إلّا رَحْمةً للعَالَمِين”، فكنت الرحمة المرسلة، والنعمة المهداة، والنبي الذي اختصر الله في شخصه كل معاني الجمال والكمال.
في ذكرى ولادتك، نعود إلى البداية، حيث غار حراء يشهد لنفحات الوحي، والسماء تستعد لاستقبال {إقْرَأ}، وحيث الأرض تستقبل ضيفها الأكرم؛ محمد بن عبد الله، من آل إبراهيم، و ذرية إسماعيل، من بيت الطهر والعصمة، من معدن الرسالات وموضع النبوات.
يا رسول الله لقد علّمتنا أن الرسالة ليست كلمات تُلقى، بل أرواح تُربّى، وأمم تُبنى، وقلوب تُطهّر. كنت قائدًا، ولكنك كنت أبًا للقلوب، وكنت نبيًا، ولكنك كنت صديقًا للبسطاء، وعونًا للضعفاء، ومصدر أمانٍ حتى لأعدائك.
ومعك، كان أهل بيتك -الطاهرون المطهرون- الامتداد الحقيقي للنبوة؛ “إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا”.
فكنت يا رسول الله النور الأول، وكان أمير المؤمنين علياً نفسك، و باب مدينة علمك، و وصيك، و فاطمة الزهراء بضعتك و سرّك، والحسن ريحانتك، والحسين منّك و انت منه، دمك ولحمك، والأئمة من ولد الحسين أمناء علمك وحملة دينك، وآخرهم قائم آل محمد، المهدي المنتظر، عجل الله فرجه، الذي سيملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما مُلئت ظلمًا و جورًا.
خمسة عشر قرنًا، والعطر لا يزال يفوح من سيرة الرسول الاعظم محمد، والقلوب لا تزال تهوي إلى حبه، والعقول تُستنير بمنهجه، والخطى تتبع ظِلاله.
فسلامٌ عليك يا رسول الله، يوم ولدت طاهرًا، ويوم جاهدت صابرًا، و يوم رحلت نبيًا خاتمًا شاهدا و شهيدا، ويوم تُبعثُ شفيعًا مشفّعًا.
اللهم صلّ على محمد و آل محمد، و بلغ عنّا نبيك السلام، وبلّغه منا التحية والإكرام.
