ثقافة رسالية

منهجية التعامل مع الإساءة: دراسة تحليلية مقارنة بين القرآن الكريم ونهج البلاغة

مقدمة: في عمق العلاقة بين النص المؤسس والتلميذ الأول

يقف الباحث في التراث الإسلامي أمام نصّين مركزيين يشكلان معاً قوام الفكر ومنبع الحكمة: القرآن الكريم، وهو النص الإلهي المطلق، وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونهج البلاغة، وهو السِفر الذي جمع ما أُثر عن أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب، عليه السلام، من خطب ورسائل وحكم.

 ولطالما وصف العلماء والمفكرون العلاقة بينهما بأنها علاقة الفرع بالأصل، والشرح بالمتن، والتطبيق العملي بالمبدأ النظري، فإذا كان القرآن هو دستور الهداية، فإن نهج البلاغة هو بيان هذا الدستور على لسان من تربى في حجر النبوة، ونهل من معين الوحي مباشرة، حتى قال فيه النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم: “أنا مدينة العلم وعلي بابها”. (صحيفة الإمام الرضا، ص58؛ تحف العقول، ص430؛ الخصال، ج2، ص574).

إن هذا التجانس الروحي والفكري بين النصَين يجعل من أي تعارض ظاهري بينهما مادة خصبة للبحث والتدبر، لا للتشكيك، بل لكشف طبقات أعمق من المعنى، وإدراك الحكمة البالغة التي تكمن وراء تنوع الخطاب، ومن أبرز هذه المواضع التي تستدعي التأمل، مسألة كيفية مواجهة الظلم والإساءة، ففي حين ترتفع آيات الذكر الحكيم إلى ذروة السمو الأخلاقي داعيةً إلى مقابلة السيئة بالحسنة، تأتي حكمة بليغة في نهج البلاغة لتقرّر قاعدة تبدو في ظاهرها مغايرة تماماً، وهي أن الشر لا يُدفع إلا بالشر.

يهدف هذا البحث إلى تفكيك هذا الإشكال الظاهري، والغوص في دلالات النصوص، وتحليل سياقاتها المحتملة، ليبرهن في نهاية المطاف أننا لسنا أمام تناقض، بل أمام تكامل تشريعي وأخلاقي بديع، يكشف عن فهم عميق ودقيق للنفس البشرية، ويقدم منظومة متكاملة للعدالة توازن بين الحق والفضل، وبين الحزم والرحمة، بما يصلح الفرد والمجتمع على حد سواء.

عرض الإشكال: بين دعوة الإحسان وقاعدة الردع

يتجلى التعارض الظاهري من خلال المقابلة بين فئتين من النصوص:

الفئة الأولى: النصوص القرآنية الآمرة بدفع السيئة بالحسنة

يرسم القرآن الكريم مساراً أخلاقياً رفيعاً لمن يريدون بلوغ مرضاة الله ونيل الدرجات العلى، هذا المسار يقوم على التسامي فوق جراحات الذات ومشاعر الانتقام الشخصي، ويتجلى هذا في آيات واضحة وصريحة:

إن من بديهيات الحكمة أن العلاج يُوصف بحسب طبيعة الداء وحال المريض، والناس في ارتكابهم للظلم والإساءة ليسوا على شاكلة واحدة، وبالتالي لا يمكن أن تكون طريقة التعامل معهم واحدة، من هذا المنطلق، يمكن تقسيم المعتدين إلى صنفين رئيسيين

في سياق مدح أولي الألباب، يقول تبارك وتعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}.(سورة الرعد، الآية:22). الفعل “يدرءون” بصيغة المضارع يفيد الاستمرارية والتجدد، أي أن هذا السلوك ليس رد فعل عابر، بل هو ديدنهم ومنهج ثابت في حياتهم. إنهم يدفعون الأذى بالإحسان، ويقابلون الجهل بالحلم، والقطيعة بالصلة.

وفي خطاب أكثر تفصيلاً وتأصيلاً، تأتي آية سورة فصلت لتضع القاعدة وتوضح أثرها النفسي العميق: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.(سورة فصلت، الآيات 34- 35). هنا ارتقاء في مستوى الأمر؛ فالمطلوب ليس مجرد “الحسنة”، بل “التي هي أحسن”، أي اختيار أفضل أشكال الإحسان وأكثرها تأثيراً في نفس المسيء، والنتيجة المترتبة على هذا السلوك الرفيع هي نتيجة تحويلية، انقلاب في المشاعر من العداوة البغيضة إلى الولاية الحميمة، ثم تختم الآية ببيان أن هذه المرتبة السامية لا ينالها أي شخص، بل هي حكر على أهل الصبر العظيم وأصحاب الحظ الوافر من توفيق الله وهدايته.

الفئة الثانية: النص من نهج البلاغة الذي يقرر مقابلة الشر بالشر

في مقابل هذه الدعوة الصريحة إلى العفو والإحسان، نجد حكمة منسوبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) تقدم مبدأً يبدو عملياً وحاسماً:

الحكمة 306 (أو 314 في بعض النسخ): “رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشَّرُّ”.

هذا النص، بعبارته الموجزة وقوته التصويرية، يؤسس لمبدأ المقابلة بالمثل، فالحجر، وهو أداة للأذى المادي المباشر، يجب أن يُردّ إلى مصدره، والتعليل الذي يسوقه الإمام، عليه السلام، يبدو كقانون طبيعي أو اجتماعي صارم: “فإن الشر لا يدفعه إلا الشر”. للوهلة الأولى، يبدو هذا الكلام مناقضاً لروح الآيات القرآنية السابقة التي تدعو إلى إطفاء نار الشر بماء الإحسان. فكيف يمكن الجمع بين التوجيهين، وكلاهما صادر من مشكاة النور الإلهي؟

تفكيك الإشكال وحل التعارض: رؤية تكاملية من محورين

إن مفتاح حل هذا الإشكال يكمن في إدراك أن هذه النصوص ليست قوانين رياضية مطلقة تطبق في كل الظروف وبنفس الطريقة، بل هي توجيهات حكيمة تخاطب مستويات مختلفة من الواقع، وتراعي تبايناً في طبائع البشر وسياقات الأحداث، ويمكن تفصيل الجواب ضمن محورين متكاملين:

المحور الأول: اختلاف طبائع المعتدين أساس اختلاف المعالجة

إن من بديهيات الحكمة أن العلاج يُوصف بحسب طبيعة الداء وحال المريض، والناس في ارتكابهم للظلم والإساءة ليسوا على شاكلة واحدة، وبالتالي لا يمكن أن تكون طريقة التعامل معهم واحدة، من هذا المنطلق، يمكن تقسيم المعتدين إلى صنفين رئيسيين، يخاطب كل نص من النصوص أحد هذين الصنفين:

الصنف الأول: ذوو الطبائع المستكبرة والنفوس الخبيثة (مورد خطاب نهج البلاغة)

هناك فئة من البشر بلغ الفساد في طباعهم مبلغاً عظيماً، إما بسبب خبث في الجبلّة أو نتيجة تربية فاسدة رسخت فيهم الاستعلاء والعدوانية، هذه الفئة لا ترى في العفو والصفح إلا دليلاً على ضعف الطرف الآخر وخوره، إن الإحسان إليهم لا يوقظ ضمائرهم، بل يغذي غرورهم ويشجعهم على المزيد من التمادي والصلف، فهم يحملون لطف المعتدى عليه على عجزه، وإحسانه على جبنه، فيزدادون جرأة ووقاحة.

مع هذا الصنف من الناس، يكون تطبيق مبدأ “ادفع بالتي هي أحسن” ليس فقط غير مجدٍ، بل قد يكون ضاراً، لأنه يمكّن للشر ويعطي الظالم ضوءاً أخضر للاستمرار في ظلمه، مما يهدد كيان المجتمع بأسره. هنا يأتي دور الحكمة العلوية: “رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ”. إنها ليست دعوة للانتقام، بل هي تأسيس لمبدأ الردع الحاسم.

 إن “الشر” في عبارة “الشر لا يدفعه إلا الشر” يجب أن يفهم فهماً دقيقاً؛ الشر الأول هو “العدوان” الظالم، أما الشر الثاني فهو “العقوبة” العادلة، وهذه العقوبة، وإن كانت شراً ومؤلمة بالنسبة للظالم، إلا أنها خير محض بالنسبة للمجتمع، لأنها تحفظ النظام، وتحمي الضعيف، وتضع حداً للظلم، وهذا يتطابق تماماً مع الفلسفة القرآنية في تشريع القصاص والحدود، كما في قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}.(سورة الشورى، الآية: 40)، وقوله سبحانه: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(سورة البقرة، الآية:17). فالعقوبة هنا “شر” جزئي الغاية منه تحقيق “خير” كلي هو حياة المجتمع وأمنه.

الصنف الثاني: ذوو النفوس اللوامة الذين يزلون عن غفلة (مورد خطاب القرآن)

في المقابل، تقف غالبية الناس الذين يرتكبون الخطأ أو الإساءة ليس عن خبث متأصل، بل نتيجة غفلة، أو جهل، أو سيطرة شهوة عابرة، أو سوء فهم، هؤلاء يمتلكون في دواخلهم بذرة خير، ونفساً لوامة تؤنبهم عند الخطأ، مع هذا الصنف، يكون الإحسان هو السلاح الأمضى، والعلاج الأنجع، عندما يقابلون الإساءة بالصفح، والقطيعة بالصلة، فإن هذا السلوك النبيل يخترق حجب الغفلة ويوقظ ضمائرهم، فيشعرون بالخجل والندم، وتتحول مشاعرهم السلبية تجاه من أحسن إليهم إلى محبة وتقدير، كما وصفت آية فصلت بدقة متناهية: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.(سورة فصلت، الآية:34).

والدليل القاطع على أن الإمام علياً، عليه السلام، يتبنى هذا التفصيل الدقيق، وأنه لا يؤمن بقاعدة واحدة جامدة، هو قوله في موضع آخر من نهج البلاغة، وهو يخاطب هذا الصنف الثاني من الناس: الحكمة 150: “عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ ارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ”.(نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح).

هذه الحكمة هي التفسير العملي للآيات القرآنية، وتوضح أن الإمام، عليه السلام،، وهو باب مدينة العلم، يضع كل توجيه في نصابه الصحيح، فمع “الأخ” الذي يمكن استصلاحه، يكون العتاب بالإحسان، ودفع الشر بالإنعام، أما مع المعتدي العاتي الذي لا يفهم إلا لغة القوة، فالعلاج هو “رد الحجر من حيث جاء”.

المحور الثاني: التفريق بين دائرة العدل ودائرة الفضل

الوجه الآخر لاستيعاب هذا التكامل بين النصوص هو فهم البنية التشريعية والأخلاقية في الإسلام، والتي تقوم على دوائر ومستويات متمايزة، أبرزها دائرة العدل ودائرة الفضل.

1. دائرة العدل والجواز (حق المقابلة بالمثل):

هذه هي الدائرة الأساسية التي تضمن قيام المجتمع واستقراره، إنها تمثل الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه، وهي دائرة الحقوق والقانون. في هذه الدائرة، من حق المظلوم أن يقتص من الظالم بمثل ما ظُلِم به، دون زيادة أو تعدٍ، وهذا الحق يكفله الشرع والعقل. قول الإمام: “رُدُّوا الْحَجَرَ…”، والآية الكريمة: {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}.(سورة البقرة، الآية:19). كلاهما يؤسس لهذه الدائرة، إنها دائرة العدل المحض، التي تحفظ الكرامة وتمنع الفوضى، وتطبيقها جائز ومباح ولا لوم على فاعله.

2. دائرة الفضل والإحسان (استحباب العفو والارتقاء):

فوق دائرة العدل، يفتح الإسلام باباً واسعاً للارتقاء الروحي والأخلاقي، وهو دائرة الفضل، هذه الدائرة لا تتعامل بمنطق الحقوق المجردة، بل بمنطق السمو بالنفس طلباً لمرضاة الله، إنها دعوة للتنازل عن الحق الشخصي من أجل تحقيق غاية أسمى: إصلاح ذات البين، وتأليف القلوب، ونيل الأجر العظيم من الله، الآيات الداعية لدفع السيئة بالحسنة هي من صميم هذه الدائرة، لاحظ كيف أن القرآن بعد أن يقرر مبدأ العدل في قوله لآوَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}، يتبعه مباشرة بالدعوة إلى دائرة الفضل: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.(سورة الشورى، الآية: 40). إنه ربط بين العفو والإصلاح، وبيان أن أجر هذا السلوك متكفل به الله لعظمته.

فوق دائرة العدل، يفتح الإسلام باباً واسعاً للارتقاء الروحي والأخلاقي، وهو دائرة الفضل، هذه الدائرة لا تتعامل بمنطق الحقوق المجردة، بل بمنطق السمو بالنفس طلباً لمرضاة الله، إنها دعوة للتنازل عن الحق الشخصي من أجل تحقيق غاية أسمى

إذن، يمكن القول بأن حكمة نهج البلاغة تتحدث عن حقك في دائرة “العدل”، بينما تتحدث آيات القرآن عن واجبك المستحب في دائرة “الفضل”، والشخص الحكيم هو من يعرف متى يبقى في دائرة العدل (عندما يكون العفو سبباً في زيادة الشر)، ومتى يرتقي إلى دائرة الفضل (عندما يكون العفو سبباً في الإصلاح).

خاتمة: تكامل الأدوار بين المبدأ الكلي والتطبيق الحكيم

مما سبق، يتضح بجلاء أننا لسنا أمام نصوص متعارضة، بل أمام منظومة تشريعية وأخلاقية متكاملة وعميقة، فالقرآن الكريم، بوصفه كتاب الهداية الشامل، يضع المبادئ العليا ويرسم الأفق الأخلاقي السامي (دفع السيئة بالحسنة)، وفي نفس الوقت يؤسس لقواعد العدل الصارم التي لا يقوم المجتمع إلا بها (القصاص والمقابلة بالمثل)، ويأتي نهج البلاغة، باعتباره ينبوع الحكمة التطبيقية المتفرع من بحر القرآن، ليفصل هذه المبادئ ويضعها في قوالب عملية، فيبين لنا متى وكيف ومع من نستخدم سلاح العفو، ومتى وكيف ومع من نلجأ إلى سيف العدل.

إنها لوحة متناغمة تدرك أن الرحمة في غير موضعها ضعف مهلك، وأن العدالة الصارمة في غير سياقها قد تكون قسوة منفرة، وبهذا التكامل بين القرآن ونهج البلاغة، تتجلى عظمة التشريع الإسلامي الذي يقدم حلولاً لكل موقف، ويخاطب كل عقلية، ويوازن بين متطلبات حفظ النظام العام وبين طموحات الارتقاء الروحي الفردي، محققاً بذلك معنى العدل والحكمة في أبهى صورها.

عن المؤلف

السيد هاشم أمير الهاشمي

اترك تعليقا