مكارم الأخلاق

أين نحن من آداب الاختلاف؟

“اختلاف أمتي رحمة”. رسول الله، صلى الله  عليه وآله.

لا أجانب الحقيقة إن قلت: أن الإسلام؛ وتحديداً مذهب أهل البيت، عليهم السلام، من أكثر الأديان والمذاهب في العالم تعرضاً للاختلاف في الرؤى والتفسيرات فيما يتعلق بالاحكام الشرعية، وتاريخ المعصومين، عليهم السلام، وطريقة التعامل مع القرآن الكريم ومع السيرة المطهرة، وما جرى من تفرعات في العصر الحديث في ميادين الاقتصاد والسياسة والأمن، وحتى الفن والأدب، وهذا أحسبه مؤشراً ايجابياً وعلامة صحّة لمذهب يعد نفسه عن حق، المذهب المتكامل لمختلف جوانب الحياة بين جميع المذاهب الدينية والفكرية في العالم، وهذا التكامل والشمولية بدورها هي التي تستوجب –بطبع الحال- التنوع والتعدد في الرؤى والاستنتاجات لمسائل لا تُعد. ولكن!

كيف ندير هذا التنوع والتعدد بما يبيّض وجوهنا أمام الله –تعالى- وأمام رسوله وأهل بيته يوم القيامة، وبما يرفع رؤوسنا ويعلي شأننا في هذه الحياة أمام جمهور المؤمنين؟

هذا هو السؤال المحوري في مسألة الاختلاف التي تحول من مبدأ رسالي وحضاري أرسى دعائمه النبي الأكرم، الى سبب للافتراق الى حد العداوة والكراهية؟

الاختلاف أمرٌ إيجابي

جزيل الشكر والامتنان للعلماء الافذاذ من الحريصين على تكريس دعائم المذهب في الواقع الاجتماعي، على بلورتهم فكرة “آداب الاختلاف” ضمن بحوثهم في علم الأخلاق، وسعيهم لنشر هذه الثقافة في حياة الأفراد والجماعات في المجتمع الإسلامي.

وأجدني ملزماً بتوضيح مغزى الحديث النبوي الشريف لما يحتمل تغلّب الفهم السطحي والظاهري لمفردة “الاختلاف” على المعنى الحقيقي، فقد جاء عن الامام الصادق، عليه السلام، “أن قوماً رووا: أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، قال: “اختلاف أمتي رحمة”، فقال: صدقوا. قلت: إن كان اختلافهم رحمة، فاجتماعهم عذاب؟!

قال: ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله، عز وجل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، أمرهم أن ينفروا إلى رسول الله، ويختلفوا إليه، ويتعلموا، ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم، إنما أراد اختلافهم في البلدان، لا اختلافا في الدين، إنما الدين واحد”. وهذا هو معنى الاختلاف.

وقبل هذا وذاك؛ ما هي الآداب أساساً؟

 وبماذا تتميز عن الأخلاق؟

“الآداب هي عبارة عن الهيئات الحسنة التي ينبغي أن يقع عليها الفعل الاختياري، ولا يُفرض ذلك فرضا، إلا في حالة إمكانية وقوع الفعل الاختياري على هيئاتٍ متعددة، فالهيئة التي ينبغي أن يقع عليها الفعل يُقال لها الأدب، ويقال لعموم الهيئات الآداب، أما الأخلاق فهي عبارة عن ملكات ثابتة في النفس حيث تصدر عنها الأفعال بسهولة، فالجود ملكة باطنية وُجدت في حاتم الطائي، وعندما كان يريد أن يعطي شيئاً للفقير لا يحتاج إلى التكلّف، او الى الحثّ على ذلك، وإنما كان ذلك العطاء والكرم يصدر عن تلك الملكة من دون أية صعوبة تُذكر، ويُقال لهذه الملكات الباطنية؛ الأخلاق، أما الآداب فهي هيئات يتلبس بها الفعل الخارجي، وبعبارة أكثر وضوحا، الأخلاق لون الباطن، أما الآداب فهي لون الفعل ولون الظاهر”. (آية الله الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي- من محاضرات في الأخلاق والآداب”.

كسر غرور النفس

من أكثر المبتلين بالغرور والعُجب والكِبر؛ العلماء! لسبب بسيط واحد؛ الشرف الرفيع لهذه النعمة الإلهية مما يجعل الجميع مدعياً وصلاً بها، وليس بالضرورة ان تكون بين كبار العلماء والفقهاء، إنما حتى من يحمل علماً بسيطاً في الكهرباء، او في البناء، او التجارة وما الى ذلك، فتبدأ تتحرك في كوامنه نزعات التفوق والأفضلية الى حد الهيمنة على الآخرين ومصادرة رأيهم وحقوقهم.

وأكثر ميدان يشهد الصراع مع نزعات الكبر والغرور العلمي؛ الحوزات العلمية، وتحديداً لدى علماء أفذاذ ممن صنعوا التاريخ وقدموا نماذج مضيئة للأجيال، مثل الشيخ مرتضى الانصاري، صاحب “المكاسب”، وهي اليوم تعد المادة الدراسية الأولى في الفقه بالحوزات العلمية، فكان يتوقف حال مقاطعته من أحد التلاميذ برأي مغاير اثناء الدرس، ثم يتأمّل الرأي الصادر، ولا يستعجل الاحكام إزاء الآخرين مطلقاً، يقول سماحة الفقيه الشيرازي في محاضرته المشار اليها.

من أكثر المبتلين بالغرور والعُجب والكِبر؛ العلماء! لسبب بسيط واحد؛ الشرف الرفيع لهذه النعمة الإلهية مما يجعل الجميع مدعياً وصلاً بها، وليس بالضرورة ان تكون بين كبار العلماء والفقهاء، إنما حتى من يحمل علماً بسيطاً في الكهرباء، او في البناء، او التجارة وما الى ذلك

كما ينقل الفقيه الشيرازي –طاب ثراه- عن المرجع الديني الأعلى؛ السيد محمد حسن الشيرازي، وكان من تلامذته؛ الشيخ الآخوند الخراساني، صاحب “الكفاية”، -المادة الدراسية الأولى في الأصول- الذي كان كثير النقاش في المسائل مع استاذه المرجع الكبير، واستمر الامر لأيام عديدة، حتى أذعن المرجع لرأي الآخوند، وقال جملته الشهيرة: “إن بداية فكر الآخوند نهاية فكر الآخرين”.

وثمة أمثلة عديدة عن أحوال العلماء في مدى تواضعهم لله –تعالى- وتنكرهم لذواتهم العلمية رغم علو شأنهم ومكانتهم المعروفة بين الناس، فهم يتجاوزون ذواتهم احتراماً لآراء الآخرين، ونستنتج من هذا السلوك الأخلاقي العظيم، أن العلماء ثبتوا بصماتهم في النفوس عبر التاريخ ليس بمستواهم العلمي وإنما بالمستوى الرفيع للأخلاق والآداب لديهم.

هنا يقفز سؤال أمامنا: كيف نؤسس لهذه الآداب في نفوسنا؟

الحديث النبوي الشريف يجيب عن هذا بكل وضوح: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”، وفي حديث آخر له، صلى الله عليه وآله: “أنا أديب الله، وعليٌ أديبي”.

بمعنى أننا مدعوون للتأدب عند المعصومين، عليهم السلام، فهم الصفوة، والنموذج المتكامل، والمعين الذي لا ينضب، وهذه الرواية نقتطفها من “الكافي”: “عن صفوان بن يحيى، عن أبي أسامة زيد الشحام قال: قال لي أبو عبد الله، عليه السلام: اقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام، و أوصيكم بتقوى الله -عز وجل- والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة وطول السجود وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد، صلى الله عليه وآله، أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برا أو فاجرا، فان رسول الله، صلى الله عليه وآله، كان يأمر بأداء الخيط والمخيط. صلوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري فيسرّني ذلك ويدخل عليّ منه السرور وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل علي بلاؤه وعاره وقيل: هذا أدب جعفر”.

الامام الصادق، عليه السلام، كان يعيش بين المئات من دعاة العلم والفقاهة وتفسير القرآن، وعلم الكلام المستحدث –الفلسفة- وعلوم جديدة أخرى، بيد أنه كان يحاورهم بلغة العلم والمنطق والدليل الواضح، كما جاء في الحوار مع أبوحنيفة حول تعكّزه على القياس في استنباط الاحكام، وكيف أنه، عليه السلام، بالحوار الهادئ، البعيد عن التعالي والتسقيط والمغالطة، واستناداً الى القرآن الكريم كشف له خطل ما يعتقد به، وقد أذعن الأخير له في نهاية المطاف بردّه المثير للدهشة: “كأني اقرأ هذه الآية لأول مرة”! و نقرأ عن كمية الإذعان والاستسلام التي ترد الى الامام الصادق، كما سائر الأئمة الاطهار بأن؛ {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.

وفي الختام، إن رسالة الإسلام، المتمثلة بمنهج النبي الأكرم والأئمة المعصومين من بعده، تُعد أمانة من الله –تعالى- في عنق كل من يحمل شيئاً من العلوم والمعارف الداخلة في حياة الناس، فبالقدر الذي تكون الآداب حاكمة في حواراتنا وتعاملاتنا، فان ثقة الناس بما نتحاور حوله، وبسائر القيم والمسائل والاحكام، تكون أقوى وأكثر ثباتاً.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا