الهدى – متابعات ..
يواجه المجتمع العراقي تحديًا جديدًا وغير مألوف يتمثل في ظاهرة “تعفّن الدماغ الرقمي”، التي تُعبر عن التدهور المعرفي والذهني الناتج عن الإفراط في استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، وخاصة المحتوى السريع والسطحي.
وتكشف هذه الظاهرة عن آثار سلوكية ونفسية خطيرة بدأت تظهر في المنازل العراقية، مما دفع الأسر والخبراء إلى دق ناقوس الخطر.
قصص واقعية.. من يوسف إلى مها
وتروي آلاء ثامر، وهي أم لثلاثة أبناء، قصة ابنها يوسف البالغ من العمر (15 عامًا)، الذي تغير سلوكه بشكل ملحوظ بعد حصوله على هاتفه النقال في عام 2022.
وتقول: أصبح يوسف منعزلاً ويفضل هاتفه على التفاعل مع عائلته وأقرانه. ولاحظت الأم تراجعًا في انتباهه وتركيزه، خاصة بعد انغماسه المفرط في محتوى “تيك توك” القصير.
وكانت تعتقد في البداية أن الأمر مجرد عناد، لكن بعد أن أشار بعض المعارف إلى احتمال إصابته باضطرابات مثل التوحد أو تشتت الانتباه، قررت مراجعة طبيب نفسي.
وشخّص الطبيب حالة يوسف بأنها “ضعف انتباهي” أو “تشظّي إدراكي”، وأطلق عليها مصطلح “تعفّن الدماغ الرقمي” نتيجة تعلّقه السلوكي المفرط بالمنصات الرقمية.
من جانب آخر، تشارك الطالبة الجامعية مها سعد تجربتها الشخصية، حيث وجدت نفسها مدمنة على تصفح المحتوى السريع في “السوشيال ميديا”، مما أثر سلبًا على حياتها اليومية ومهامها الدراسية.
واعترفت بأنها استبدلت هواياتها ونشاطاتها الاجتماعية بالجلوس لساعات طويلة مع هاتفها، ولاحظت تغيرًا جذريًا في سلوكها من فتاة اجتماعية ونشيطة إلى شخصية منعزلة وغير مبالية.
تحليلات علمية وتقنية للظاهرة
ويؤكد مركز الصحة العقلية في الولايات المتحدة أن من أعراض “تعفّن الدماغ الرقمي” ضعف الذاكرة، صعوبة التركيز، والإرهاق الذهني والبدني.
ويشرح الخبير في الذكاء الاصطناعي إيهاب عنان الظاهرة من منظور تقني، واصفًا إياها بأنها تشبه “تسرب الذاكرة” في البرمجيات، حيث تستهلك العمليات الصغيرة غير المفيدة موارد الدماغ وتضعف أداءه.
ويقدم أدلة تقنية على ذلك، مثل تقلص متوسط مدة الانتباه إلى ثوانٍ معدودة، وتنشيط دوائر المكافأة الفورية في الدماغ على حساب مناطق التفكير العميق.
ويوضح عنان أن خوارزميات تطبيقات مثل “تيك توك” تستخدم الذكاء الاصطناعي لمراقبة سلوك المستخدم لحظيًا، مما يخلق حلقة مكافأة فورية تجعل المحتوى الأطول يبدو مملًا، وتساهم في تقصير مدى الانتباه.
ولمواجهة هذه الظاهرة، يقترح عنان إطلاق معيار عالمي يُسمى “مؤشر الاستدامة الإدراكية” لتقييم تأثير المنصات على الصحة العقلية، ويدعو إلى تعديلات برمجية تفرض فترات توقف إجبارية. كما يقترح إنشاء “محكمة رقمية” في العراق لضمان الالتزام بأخلاقيات التصميم الرقمي.
رؤى اجتماعية ونفسية
وترى الدكتورة أمل إبراهيم الخالدي، أستاذة علم النفس الإرشادي، أن “تعفّن الدماغ” هو تدهور في الحالة العقلية ناتج عن الإفراط في استخدام المحتوى الإلكتروني، وقد ظهر المصطلح لأول مرة في عام 1854.
وتؤكد أن هذه الظاهرة الحديثة مرتبطة بالمحتوى الهدام الذي يغزو المنازل، مما يؤثر على الأطفال والمراهقين بشكل خاص، ويشيع تربية فوضوية وغير مقبولة اجتماعيًا.
وفي ظل غياب تشريعات خاصة أو أطباء متخصصين في علم النفس الرقمي، تدعو الدكتورة الخالدي إلى أهمية تنظيم استخدام المنصات الرقمية، والتركيز على المحتوى الهادف والمفيد، وتشجيع الأنشطة والهوايات التي تبعد الأفراد عن العالم الرقمي.
