أسوة حسنة

مشروع المنتظِر: بناء المجتمع قبل الظهور

مقدمة: من ركن العزلة إلى ميدان العمل

حين نتأمل في معنى “الانتظار”، لا ينبغي أن نستحضره كصورة صامتة لإنسانٍ جالسٍ في زاوية مظلمة، يعدّ الأيام ويترقّب المعجزة، بل علينا أن نرى في المنتظِر صورة العامل، الساعي، المشغول ببناء مجتمعه كما يُصلح نفسه، لأن الغيبة الكبرى، في حقيقتها، ليست فترة استراحة للمؤمنين، بل ميدانًا واسعًا للاختبار، حيث يتبين من يحمل همَّ الأمة ممن أُلهي عن واجبه بمتاع الدنيا ولهوها، في هذا السياق، يأتي إصلاح المجتمع كركن جوهري في مشروع الانتظار الحق، لا كخيار تطوعي أو ترف فكري، بل كواجب شرعي وإنساني يتصل جوهريًا بالتهيئة لليوم الموعود.

همّ الأمة: واجب الإصلاح يتجاوز الفرد

المنتظِر الحقيقي لا يكتفي بتقوية صلته بالله على المستوى الفردي، بل يحمل في قلبه همَّ أمةٍ ضائعة بين جهلٍ مستشرٍ وظلمٍ متفشٍّ، فيسعى ليكون نورًا في محيطه، وسندًا للمستضعفين، وصوتًا للقيم في زمنٍ ضجّت فيه الأصوات الباطلة، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: “ما أخذ الله على العلماء ألّا يُقارّوا على كظّة ظالم ولا سَغَب مظلوم”. (نهج البلاغة، الخطبة 3)، ولا فرق في هذا بين عالِم وغيره ممن فتح الله له باب التأثير؛ فكل من وُهب فكرًا، أو قلمًا، أو موقعًا، أو حتى صدق نية، فليجعلها جسرا إلى إصلاح مجتمعه بدل أن يعتكف في صومعة العزلة والاكتفاء الذاتي.

لا تأجيل للإصلاح: هل مجتمعنا مؤهل لاستقباله؟

في غياب الإمام المعصوم، قد يتوهم بعض الناس أن المشروع الإسلامي معطّل، وأن الإصلاح مؤجل لحين ظهوره، هذا التصور الكسول يُنتجُ أمةً مستهلكة للأمل لا صانعة له، بينما تؤكد روايات أهل البيت، عليهم السلام، أن التمهيد للإمام لا يكون إلا بوجود مجتمعٍ واعٍ، متكافل، منظم، يقاوم الفساد، وينهض بالعلم، ويدافع عن المظلوم، ويؤسس لأنموذج الحياة التي يرضاها الحجة بن الحسن. من هنا، فإن المنتظِر الحقيقي لا يسأل: متى سيظهر الإمام؟، بل يسأل: هل مجتمعنا اليوم مؤهل لاستقباله؟ وما دوري أنا في ذلك؟

قيمة المبادرات الصغيرة في التمهيد

قد يعيش المرء في حيٍّ تسوده البطالة والمخدرات والانحراف، فيمرّ به دون أن يحرك ساكنًا، ولكن المنتظِر الواعي يرى في هذا المشهد ساحة عمل، ومصدراً للفرص، وموضعًا للتكليف، ربما لا يقدر على تغيير كل شيء، لكنه يبدأ من النقطة التي فيها، يؤسس حلقة توعية شبابية، أو يُطلق مبادرة تعليمية، أو يساهم في نشاطٍ خيري، أو يساند مظلومًا في قضيته، كل هذه الأعمال – الصغيرة في ظاهرها – هي تمهيد عملي، وليست أقل شأنًا من الدعاء، بل إن الدعاء من دون عمل، إنكار للسنن الإلهية التي أرادت للتغيير أن يمرّ عبر أيدي الصالحين.

بيعة في زمن الغيبة: العمل كصلة وصل بالإمام

كثيرون يتذرعون بعدم وجود إمام ظاهر ليُصلحوا الواقع، لكن الإمام الغائب نفسه، في توقيعه الشريف، بيّن أن هذا المنطق مرفوض: “وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها السحاب(الاحتجاج، ج2، ص46)، الشمس لا تتوقف عن بثّ دفئها ونورها لمجرد أنّها خلف السحاب، والإمام لا يتوقف عن توجيه المؤمنين وإيصال البركات بسبب غيابه، بل من غفل عن دوره هو الذي انقطع عن الانتفاع. من هذا المنطلق، يكون إصلاح المجتمع في الغيبة نوعًا من “البيعة الصامتة” مع الإمام، أي أنك تعمل في مشروعه وإن لم ترَ وجهه، تؤمن به وتخدمه من موقعك، حتى إذا ظهر وجدك على العهد.

المنتظِر الحقيقي لا يكتفي بتقوية صلته بالله على المستوى الفردي، بل يحمل في قلبه همَّ أمةٍ ضائعة بين جهلٍ مستشرٍ وظلمٍ متفشٍّ، فيسعى ليكون نورًا في محيطه، وسندًا للمستضعفين، وصوتًا للقيم في زمنٍ ضجّت فيه الأصوات الباطلة

ساحات الجهاد المعاصر: من الأسرة إلى فضاء المجتمع

خذ مثالًا من واقع اليوم: ملايين الأطفال المسلمين حول العالم لا يجدون تعليمًا كافيًا، أو يحاصرهم الإعلام الفاسد، أو يعانون من تفكك الأسر. ألا يُنتظر من المنتظِر أن يؤسس مدرسة أو يموّل منحة؟ أن يكتب كتابا للناشئة؟ أن يبتكر منصة تعليمية هادفة؟ ألا يُنتظر منه أن ينقذ جيلًا كاملاً قبل أن يسأل الله أن يُعجل الفرج؟ كذلك في ساحة القيم والأخلاق، حيث تنهار كثير من الثوابت تحت ضغط الثقافة المعولمة، يأتي المنتظِر ليحمل خطابا أصيلا يُعيد للناس ثقتهم بالدين والعفاف والعدالة، بل حتى في بيئتنا المصغرة – البيت والأسرة – الإصلاح مطلوب وضروري، فالأسرة التي تُربّى على الفكِر المهدوي، وعلى مقاومة الظلم، وعلى الصدق والتعاون، هي خلية من خلايا المجتمع الممهِّد.

نحن نزرع والفرج يحصد: شرف التمهيد

لا ريب أن الطريق ليس سهلاً، والمجتمع ليس دائما قابلا للإصلاح، وقد يواجه المصلح سخرية واستهزاء أو حتى اضطهادًا، لكنّ المنتظر يعرف أن طريقه هو طريق الأنبياء؛ لم يكن نوح ولا إبراهيم ولا موسى يعيشون في مجتمعات صالحة، لكنهم صنعوا التغيير رغم ذلك، ربما لن ترى نتيجة جهدك، وربما لن تحصد ثمرة ما زرعت، لكن من قال إننا نعمل لنقطف؟ نحن نعمل لنمهد، وقد يأتي الإمام ويكمل ما بدأناه، ويجني ثمر غراسنا، ويحتضن أبناءنا الذين ربيّناهم ليكونوا في صفّه. أليس هذا وحده شرفًا عظيمًا؟ أن تسهم في تهيئة الأرضية التي يتنزل عليها النور، حتى وإن لم تكن حاضرًا في لحظة التجلي؟

خاتمة: كن لبنة في جدار العدل القادم

كلّ خطوة نخطوها في إصلاح المجتمع، هي جواب عملي على سؤال كبير: هل أنا حقًّا من أنصار المهدي؟

لا تُقَلِّل من قيمة عملك مهما بدا صغيرًا؛ فتبسُّمك في وجه يائس، ومبادرتك لحلّ خلاف، وجرأتك في قول الحق، وتأسيسك لنشاط شبابي، كلها حلقات في سلسلة التمهيد، كن لبنة في جدار العدالة القادم، كن شمعة في ظلمة الغيبة، واصنع مجتمعًا يُرضي الإمام ولو لم يرك بعد، فإننا نعيش اليوم زمن الاصطفاء، حيث يُغربَلُ الناس بالأفعال لا بالأقوال، ويُنتقى الجنود من بين الذين أصلحوا المجتمع لا الذين اكتفوا بتشخيص علله. فهلّا كنت من الذين يمهدون الطريق إليه لا الذين يعيقونه.

عن المؤلف

السيد هاشم أمير الهاشمي

اترك تعليقا