إضاءات تدبریة

التَّوبَة.. بابُ أملٍ وَطريقُ إصلاحٍ (11)ما العلاقة بين التوبة والشفاعة وطاعة الرسول؟

من البصائر التي نستفيدها من آيات القرآن الكريم، وكذلك من احاديث اهل البيت عليهم السلام، أن من يرتكب الذنوب والسيئات ولايندم عليها ويقلع عنها ويصلح ما افسدته، فإنه ليس بِمُؤمِن ، بل ويكون ظالِماً و يحرم نفسه من نيل الشفاعة يوم القيامة، حيث يؤكد ربنا تعالى على أن الشفاعة يوم القيامة لا تنفع الظالمين، الذين انما كانوا في الحياة الدنيا يعتقدون بالشركاء وبشفاعتهم لكي يبرروا بها ارتكابهم الاثام والجرائم وليتهربوا من المسؤولية.

ففي سورة غافر يصوّر ـ تعالى ـ موقف وحال الناس يوم القيامة، لاسيما اولئك الظالمين الذين كفروا بالله سبحانه: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ‏ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ‏}. (سورة غافر، الآية: 18).

ويَوْمَ الآزِفَةِ أحد أسماء يوم القيامة، ويسمى بالآزفة لدنوه، ولهذا الاسم عدة معانٍ، منها: أن القيامة قريبة جدا، من أزف الأمر إذا دنا وقته واقترب، فالساعة قريبة منا جميعا فلا تفصلنا- نحن البشر- عنها عمليا إلا زجرة الموت.

ومنها: أن العذاب يكون قريبا من الناس في ذلك اليوم، أو أن روح الإنسان يقرب خروجها من جسده لأهوال ذلك اليوم، فيحسّ وكأن قلبه يصعد إلى الأعلى عندما يتعرض للفزع، وبالذات إذا كان مفاجئا لا يتوقعه، ولأن الناس كلهم مشغولون بأنفسهم لا يجد الواحد طرفا يمكنه أن ينفعه يظهر له ما في نفسه لذلك يخفي الجميع ما في صدورهم ويكظمون غيظهم.

{فـمَا لِلظَّالِمِينَ في ذلك اليوم “مِنْ حَمِيمٍ‏} وهو أقرب الأصدقاء وأحبهم للإنسان، إذ تنقطع بينهم‏ الروابط والعلاقات، {وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ‏}، والشفيع هو الوسيط الذي يعرف الشخص ويقضي حاجته عند الآخرين، وقد تعوّد الظالمون في الدنيا على التوسل بالشفعاء في بلوغ مآربهم وحل مشاكلهم، ولكنهم في الآخرة لا يجدون إلى الشفعاء سبيلا، لأن الذين اعتمدوا عليهم من أئمة الظلم هم بدورهم يريدون من يشفع لهم.

 ولو افترضنا أن أحدا صالحا أو طالحا تحمَّل هذه المسؤولية وحاول الشفاعة للظَلَمة فإنه لا ينفعهم شيئا، إذ لا تُعَدُّ الشفاعة عند الله للظَلَمة إنما تنفع من تكون مسيرتهم العامة في الحياة سليمة، فتأتي الشفاعة لترفع عنهم تبعات الذنوب الجزئية، فقد روي عن الإمام موسى بن جعفرعليهما السلام أنه قال:”مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَرْتَكِبُ ذَنْباً إِلَّا سَاءَهُ ذَلِكَ وَنَدِمَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه واله كَفَى بِالنَّدَمِ تَوْبَةً وَقَالَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَةٌ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَةٌ فَهُوَ مُؤْمِنٌ فَمَنْ لَمْ يَنْدَمْ عَلَى ذَنْبٍ يَرْتَكِبُهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَمْ تَجِبْ لَهُ الشَّفَاعَةُ وَكَانَ ظَالِماً وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ:مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ‏”. (بحار الأنوار، ج8، ص:351).

هكذا نعرف أنّ الشفاعة إنما هي للتائبين الذين تسوؤهم سيئاتهم فيندمون عليها، وكفى بالندم توبة، وحيث أكد ربنا على أن الشفاعة لا تنفع الظالمين، لأنهم إنما اعتقدوا بالشركاء وبشفاعتهم ليتهربوا من المسؤولية، فأراد الله بذلك تأكيد المسؤولية عليهم، ونفي هذه الذريعة التي يتوسل بها البعض لاجتراح الجرائم.

إنّ خلاصة رسالات الأنبياء التي تتكرر في القرآن، هي أن الإنسان رهين عمله، فعاقبة المجرمين النار لا موت لهم فيها ولا حياة، بينما عاقبة المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار، وليست نتيجة العمل محدودة بالآخرة، بل قد يحصل الإنسان على عاقبة عمله في الدينا

وبكلمة: في الرسالة الإلهية لا مجال لفكرة الفداء التي قد تبرر وتسهم في التوغل في الذنوب. بلى؛ إن الله شفيع للإنسان، ويقبل شفاعة الآخرين فيه حينما تكون عنده مؤهلاتها، حيث يقول ربنا سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}. (سورة النساء، الآية: 64).

التوبة ومعنى الشفاعة الحقيقي

فمعنى الشفاعة الحقيقي هو ما تؤكده هذه الآية الكريم وغيرها، بأن يشعر الإنسان نفسه بالذنب، وبضرورة التوبة لله منه، وما يستلزم ذلك من انكسار القلب، وعقد العزم على عدم العود إليه، ثم المجيء للقيادة الرسالية أو من يجسدها والاستغفار عنده، فهي شفاعة مسؤولة تبعث الإنسان نحو المزيد من المسؤولية والطاعة وهي التي يبينها القرآن في أكثر من مناسبة، والتي تعني دعاء الرسول والأئمة والصالحين بالمغفرة لمن أذن الله له بذلك، وهم المسلمون المطيعون لله وللرسول والأئمة بصفة عامة.

إنّ خلاصة رسالات الأنبياء التي تتكرر في القرآن، هي أن الإنسان رهين عمله، فعاقبة المجرمين النار لا موت لهم فيها ولا حياة، بينما عاقبة المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار، وليست نتيجة العمل محدودة بالآخرة، بل قد يحصل الإنسان على عاقبة عمله في الدينا.

ولهذا حذَّر الله بني إسرائيل من الطغيان وكفران النعمة حتى لا يحل عليهم غضبه، أما لو انحرف الإنسان قليلا فإنَّ باب الرجعة والتوبة الصادقة يبقى مفتوحا له، فنعمة الله هدفها سعادة البشر، ولكن قد تكون عاملا لانحرافه وانفلاته، لذلك حذر الله بني إسرائيل قائلا: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}. (سورة طه، الآية: 81)، ثم قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}.(سورة طه، الآية: 82).

إنَّ من طبيعة الإنسان أن يطغى  حين يحسّ بنعم الله عليه {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}.(سورة العلق، الآيات: 6 ـ 7)، ولكن سبيل التوبة والعودة إلى الصواب مفتوح أمامه، حينما يتورط في ذلك بسبب غفلته، ونسيانه.

وآنئذ سيجد ربه غفارا لو كانت توبته كما تذكر الآية: (تَابَ) عن ذنبه، (وَآمَنَ ) بالله صادقاً {وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} وكان عمله بحيث ينتهي به إلى الهداية.  وفي بعض الروايات أن الهداية هنا بمعنى الولاية -وحينها تكون (لَغَفَّارٌ) بصيغة المبالغة مناسبة لمعنى الشفاعة – فينبغي للإنسان أن يؤمن بالله، ويعمل صالحا بعد التوبة، وأن يبحث عن القيادة الرسالية، ذلك أنه لا يكمل الإيمان والعمل الصالح إلا بالولاية، ومعرفة القائد الشرعي وطاعته، لأن الإمام الذي يهدي إلى سبيل الرشاد يكون عكس فرعون الذي أضلَّ قومه وماهدى، وهذا هو سبيل التوبة النصوح، وهو المعنى الحقيقي لكلمة الشفاعة، ففكرة الشفاعة الصحيحة هي ان الرسول، صلىّ الله عليه وآله، يستغفر لمن يطيعه، ويتوب اليه.

التوبة وطاعة الرسول

إن كل رسل الله ـ تعالى ـ جاؤوا ليتسلموا قيادة الناس، وإذا عاد الناس إلى قيادة الرسل وصححوا مسيرتهم، أصلح الله حياتهم، وغفر لهم سيئاتهم وتاب عليهم، فمن الاهداف الرئيسية من بعث الرسل تحرير الناس من قيادة الطاغوت، وتوفير قيادة صالحة لهم، ولذلك يجب على الناس أن يطيعوا الرسول، صلىّ الله عليه وآله، إذ سيجدون مغفرة من الله وفضلا، حيث يتوب عليهم ويرحمهم. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}، فالله يتوب على عباده، وينشر رحمته عليهم ان هم أطاعوا ممثله في الأرض ــ وهو الرسول، صلىّ الله عليه وآله، وأولي الأمر من بعده ــ وتابوا اليه سبحانه.

إن كل رسل الله ـ تعالى ـ جاؤوا ليتسلموا قيادة الناس، وإذا عاد الناس إلى قيادة الرسل وصححوا مسيرتهم، أصلح الله حياتهم، وغفر لهم سيئاتهم وتاب عليهم

إنّ الآية آنفة الذكر نراها تتحدث مباشرة عن فكرة الشفاعة، قد جاءت في سياق العديد من الآيات ــ وردت قبلها وبعدها في سورة النساء ــ تبين ضرورة الطاعة للرسول، صلىّ الله عليه وآله، مما يوحي بأن فكرة الشفاعة ذكرت أساسا لدعم الطاعة للقيادة الرسالية دعماً غيبيّاً، وهذه الطاعة بدورها تفتح أمامنا ابواب التوبة والرحمة الآلهية، فإذا لم تكن عند المؤمن صفة الطاعة للرسول فماذا يبقى عنده من الإيمان؟ أليس الإيمان هو التسليم لله، وماذا يعني التسليم لو لم تكن الطاعة للرسول؟ وما قيمة القيادة التي لا تستطيع فض الخلافات بين الناس؟! {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}.(سورة، النساء الآية:65).

إن الإيمان وقر في القلب يجعل صاحبه يسلّم لله حتى فيما يصيبه من مصيبات، أو يخالف مصالحه أو آراءه، فإذا لم يرضَ الفرد قلبيا بحكم الله المتمثل في قضاء الرسول وأولي الأمر من بعده، في فض النزاعات والخلافات بينه وبين إخوته، فليس هو بمؤمن أبدا، ولا  توبة له إن لم يرجع الى ما أُمِر به من الطاعة والتسليم.

____________

بصائر مقتبسة من موسوعة “مِن هُدى القرآن” لسماحة المرجع المُدرِّسي (دام ظله).

عن المؤلف

إعداد: نعمان التميمي

اترك تعليقا