فکر و تنمیة

العقل بوّابة الغنى

حبا الله ـ تعالى ـ الإنسانَ بهبةٍ اسمها العقل، وهذا بالضبط ما ميزه على المخلوقات كافة، ومنحه مساحات تفكيرية ومعرفية هائلة، وما زاد من أهمية العقل في حياة الإنسان أن جميع الأفكار والنظريات التي يتوصل إليها التفكير العقلي ممكنة التحوّل من اللفظ المجرد، إلى الكينونة العملية الملموسة، ولهذا فإن ما يتوصل إليه الإنسان عبر التفكير والتمحيص والتمييز، يمكن أن يصبح مشاريع ومصنوعات مختلفة يستخدمها الإنسان في تطوير حياته.

وهذا بالضبط هو الذي نقل الإنسان بشكل متدرّج وعبر مراحلَ وعصور متعاقبة من عصر الصيد ومن العصر الحجري، إلى عصر الذرّة واقتحام الفضاء وناطحات السحاب وسواها، ولكن من الذي يقف وراء هذه المنجزات الهائلة؟ إنه ببساطة المخلوق الذي حباه الله بالعقل، إنه الإنسان الذي خلقه الله ـ تعالى ـ في أحسن تقويم، ووهبه الطاقات الكامنة والظاهرة، وفوق هذا كله يسَّر له الإرادة الحرّة، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.(سورة التين، الآية: 4).

إذن يمتلك الإنسان العقل، وهو ثروته الحقيقية التي ستجلب له كل الثروات اللاحقة، المادية منها والمعنوية، بشرط أن يكون قادرا على استخدام هذا العقل بالطريقة التي تقوده نحو أهدافه بالشكل الصحيح، وبما ينتمي للخير تحديدا، فالعقل كما يُقال (سيف ذو حدّين)، حيث يمكن للإنسان أن يستخدم عقله في تحقيق الخير والانتماء له، ويمكنه أيضا أن يستخدم عقله في طريق الشرّ والانتماء له، فأيهما سيختار الإنسان؟

إذا كان يريد الإنسان بلوغ الثراء والغنى في حياته، سوف يلجأ إلى عقله، وهو يمكن أن يكون ثريا عبر طريقين هما طريق الخير وطريق الشر، وكلا الطريقين يكون العقل دليل الإنسان إليهما، ومن دون العقل لا يمكن لبشر أن يحقق الغنى، ولكن شتان بين أن تكون غنيا عبر طريق الشر، أو أن تكون غنيا عبر طريق الخير.

الفارق بين الطريقين كالفارق بين الماء والنار، وكالفارق بين الأرض والسماء، وبين السواد والبياض، إنه فارق كلي وتام، ولهذا تعتمد هذه النتائج وهذا الانتماء على اختيارات الإنسان نفسه، فالشباب في العصر الراهن، عصر السرعة أصبحت المشاريع كافة مشرعة الأبواب أمامهم، وبإمكانهم الدخول في مختلف المشاريع وفي جميع المجالات والحقول.

الذي يحاول أن يجمع بين الاثنين، الثراء المادي والثراء المعنوي، وبشكل متوازن، فهذا الشاب أو الإنسان يُعدّ من أجدر الناس في طريقه تشغيله واستثماره لعقله

عليك أيها الشاب أن تختار أولا، ما هو نوع الغنى الذي تحتاجه أو ترغب به، هل تريد الثراء المادي أم تريد الثراء المعنوي، أم أنك تريد أن تجمع بين الاثنين الثراء المادي والمعنوي، ولنفترض أنك تفضّل الثراء المعنوي قبل سواه، وهذا ممكن جدا عبر العقل، فعقلك يمكنه أن يصل بك إلى الثراء المعنوي فتكون عالما في الدِين والأخلاق وبكل ما يفيد البشرية في جميع المجالات، فتكون مكانتك بين الناس كبيرة، رغم أنك لست غنيا ماديا، فأنت لا تمتلك المال ولا السيارات ولا الشركات ولا القصور الفارهة، لكنك تمتلك عقلا غنيا كبيرا، ودورك في الحياة جعلك شخصيةً يعتمد عليها الناس في قضاء حوائجهم، وتقديم النصائح لهم وإرشادهم والارتقاء بهم وبعوائلهم وبحياتهم إلى الأعلى، وكل هذا تقدمه مجانا للآخرين، فهل هناك ثراء أبلغ وأرقى من هذا الثراء والغنى المعنوي؟

كذلك هناك من يختار من الشباب وغيرهم الغنى المادي، وسوف يعتمد على عقله لكي يصل إلى أهدافه هذه، فهو يستعمل عقله ويعتمد على ذكائه لكي يفتح مشاريع تجارية أو صناعية أو سواها، وقد يعتمد بعض الشباب سُبل المراوغة والخداع لتحقيق الثراء السريع، ولكن في هذه الحالة سوف يتعرض الشاب أو أي إنسان من فئة عمرية أخرى إلى خسارة فادحة، إن طريق الخداع لا يختلف عن طريق الكذب، كلاهما حبله قصير، فسرعان ما يكتشف الناس هذا الخداع ويصبح هذا الشاب أو الإنسان الباحث عن الغنى المادي سريعا مكشوفا للجميع فينبذه الناس ويبتعدون عنه ولا يتعاملون مع، فيصبح من الفقراء في نهاية المطاف.

وأما الذي يحاول أن يجمع بين الاثنين، الثراء المادي والثراء المعنوي، وبشكل متوازن، فهذا الشاب أو الإنسان يُعدّ من أجدر الناس في طريقه تشغيله واستثماره لعقله، فالحياة تتطلب أن تكون ذا مالٍ وصاحب مشروع ربحي، ولكن بالحلال وعدم الغش والتعامل السليم مع الآخرين بيعًا أو شراء، بمعنى يمكنك أن تكون غنيا ماديا ولكن وفق الضوابط والأحكام الشرعية التي تمنع التعامل الحرام مع الناس، وهكذا ستجمع بين الاثنين (المادي والمعنوي) باستخدامك لعقلك بالطريقة الصحيحة السليمة المتوازنة الملتزمة.

وبهذا نفهم بأنّ العقل هو بوابة الغنى بنوعيْه المادي والمعنوي، ولكن يعتمد الأمر على مدى نجاحك في استخدامك الصحيح والسليم للعقل، فإنْ وُفقْتَ في هذا الجانب، سوف تمضي قُدُما نحو أهدافك وما تخطط له، لأنك قمت بتشغيل عقلك بما يخدمك ويجعل منك شخصية ذات شأن وذات ثراء معنوي، أو مادي، أو ثراء يتوسط الثراءين، وفي كل الأحوال سوف يكون عقلك طريقك نحو بوابة الثراء.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا