قال أمير المؤمنين عليه السلام: “قيمة كل امرء ما يحسنه”. (نهج البلاغة، الحكمة:78).
كيف تقاس الارض؟
وكيف يقاس الهواء؟
وكيف تقاس الاشياء المادية في هذه الدنيا؟
الانسان وضع للاشياء مقاييسَ ووضع للامور المادية موازين، وكل شيء نشتريه ونقتنيه ونتعامل معه له ميزان، إما المساحة او الوزن وما شابه ذلك، ولكن السؤال: كيف يُقاس الانسان؟ وبأي ميزان نقيّمه؟
بماذا يتمايز الناس فيما بينهم؟
ما هو الميزان في معرفة قيمة الافراد؟
بالطبع لا يمكن قياس الانسان بحجمه او لونه او وزنه وإلا قيمته تكون حينئذ اقل من قيمة قطعة قماش.
لو اخذنا كما ـ يقول العلم الحديث ـ: انسانا زنته مئة واربعون رطلا ونظرنا الى أجزائه لوجدنا كجسم يحتوي على ما يأتي: شيء من الدهن يكفي لصنع سبع قطع من الصابون، وقَدَرٌ من الكاربون يكفي لصنع سبعة اقلام رصاص، وشيء من الفسفور يكفي لصنع مئة وعشرين عود ثقاب، وشيء من ملح المنغنيز يصلح لجرعة من المسهل، وقدر من الحديد يكفي لصنع مسمار حديد، وقدر من الكبريت يكفي لتطهير جلد كلب واحد من البراغيث التي في شعره..، وهكذا في بقية الامور التي يتكون منها الانسان.
لكن؛ هل هذا هو مقياس الانسان؟
مكونات الانسان المادية هذه لو اخذناه الى السوق فهل يشتريها الشاري بأكثر من 10 دولار؟
الانسان لا يقاس بجمسه لانه لا قيمة له، بل جسمه اقل قيمة من جسم الحيوان لان لحم الحيوان يؤكل، لكن لحم الانسان يؤكل، وجلد الحيوان يتم الاستفادة منه، حيث يصنع منه الفرو، وجلد الانسان لا قيمة له.
لوضع الميزان لمعرفة الافراد وقيمتهم هنالك ثلاث نظريات باطلة ونظرية واحدة على حق:
النظرية الاولى: هي التي تقيّم الانسان حسب قبيلته او عرقه، او جنسيته، لانه يحمل الجنسية الامريكية ـ مثلا ـ او الاوروبية فله قيمته، فإذا قتل امريكي واحد فإن الدولة تقيم الدنيا عليه، سواء قُتل ظالما ام مظلوما، هذه القيمة ليست للانسان، لان الامريكون انفسهم يقتلون ألوف الناس ولا تهتز لهم شعرة.
او هناك تمايز حسب العِرق كما كان يعتقد هتلر وكما تعتقد اليوم احزاب يمينية كثيرة في الغرب، تميز الناس حسب اعراقهم، العرق الاوروبي متميز عن غيره، او كما كان يعتقد شاه إيران الذي اطلق على نفسه الشمس الآري.
التمايز الآخر هو التمايز القبلي وهذا جعله البعض مائزا عن الآخرين، القبائل المتوحشة التي تحكم في افريقيا واسيا والتي يمتد وحشيتها الى مئتين سنة مضت لكنهم يتفاخرون بذلك، وهذا التفاخر ما أنزل الله به من سلطان.
القوميات التي ظهرت في تاريخنا المعاصر ظلموا اناسا كثيرين لان اصلهم لا ينتمي الى القومية العربية ـ مثلا ـ فليس من قحطان ولا عدنان.
القيمة الحقيقة هي التي تكون بيدك وبارداتك؛ أن تصبح عالما، أن تُحسن الصنعة، أن تكتسب بعض المحاسن والآداب، حتى المال قد ينجح فيه قوم ويفشل آخرون، لكن العلم بابه مفتوح دائما
النظرية الثانية: التقييم حسب الانتاج: ما دام الانسان منتجا فإن له قيمة.
النظرية الثالثة: تنظر الى السلطة والثروة؛ باعتباره يملك مالا فله قيمة، او ان القيمة حسب السلطة او المكانة.
النظرية الصحيحة لميزان الانسان
هي تلك النظرية التي لخّصها أمير المؤمنين، عليه السلام، في الكلمة الموجزة الرائعة: “قيمة كل امرء ما يحسنه”.
النظريات الجاهلية التي استعرضناها تجعل قيمة الناس في أمور لا اخيتار لهم فيها، فلا احدنا يختار اسرته، او عشيرته، او منطقته التي ولد فيها، هذه الامور خارجة عن إرادة الانسان، قال الإمام السجاد، عليه السلام: “خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولدا قرشيا”، فالناس قبل ان يولدوا وبعد ان يموتوا لا تمايز بينهم، وبينهما التمايز الباطل غير الصحيح.
القيمة الحقيقة هي التي تكون بيدك وبارداتك؛ أن تصبح عالما، أن تُحسن الصنعة، أن تكتسب بعض المحاسن والآداب، حتى المال قد ينجح فيه قوم ويفشل آخرون، لكن العلم بابه مفتوح دائما، والغريب ان اولاد الفقراء ـ عادة ـ هم الذين يصبحون علماء، واولاد الاثرياء لا ينتجون في الحياة، فابن الفقير لا أحد يقدره، فيسعى الى ذلك او انه محتاج، لكن ابن الغني يجد في المال كفاية، فلا يدرس ولا يبحث عن الشهادة، فله احترامه لانه يملك المال!
الانسان يستهلك في كل الامور، فهو يلبس القماش، ويأكل الطعام، ويسكن الدار، لكن الانتاج الحقيقي والوحيد للإنسان هو انتاجه العلمي، قال صلى الله عليه وآله، في حديث عن ابن آدم: .. وهل لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟!”.
يكفي أن نعرف انه لولا العلم والتنافس عليه لعاشت البشرية في الغابات، فالذي غيّر حياة الانسان هو العلم، ولا شيء إطلاقا غيره، حتى الدِين يأتي لقوم يعلمون {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.
وإعطاء القيمة لما يُحسن الانسان اي لعلمه، يجعل التنافس عند الناس على العلم، على ما يقدّم البشرية، على بناء الحضارات، لا على الاستهلاك.
“قيمة كل امرء ما يحسنه” ماذا يعني؟
ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة ان “ما يحسنه” يعني الاحسان اي مقدار احسان الانسان، لكن الأصح أن قيمة كل إنسان ما يعلمه، وهناك فرق دقيق بين ما يُحسن وبين ما يعلم، فأنت قد تعلم شيئا لكن ذلك العلم لا يقدم ولا يؤخر؛ فتعلم أن الشمس حين تشرق تقدم نورا، وان الماء سائل، لكن العلم الذي ينتج او يقدم شيئا للانسان هو الذي يعبر عنه ما “يُحسن” قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} اي صنعه ايضا. المعرفة المطلوبة هي التي تؤدي الى تقدم وتصنع شيئا.
والدليل أن امير المؤمنين عليه السلام، لا يقصد من كلامه الإحسان، أن كلمته هذه وردت ضمن جملة غير مثبتة في نهج البلاغة، فالإمام قال في خطبة له:” أيها الناس إعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه” فما من إنسان كبير وعاقل إلا وهناك اتهامات حوله، ثم يقول: “ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه” فمن يرتاح لمدح الجاهل ليس بحكيم، ثم يضيف عليه السلام: “الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل امرء ما يحسن فتكلموا في العلم تبين أقداركم”.
إنّ سبب هزيمة أمتنا ليس قلّة صلاتها وصيامها مع عظمتهما، بل السبب هو قلة العلم، وقيمة العلم عظيمة عند الله حتى أنه عُدَّ من فرائض الله
وقال عليه السلام: ” كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه، و يفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما يبرأ منه من هو فيه”.
والاسلام جعل هذا المقياس وأكّد عليه الى درجة غريبة، فكم اهتم بالعلم، وجعل له من الفضل، أن كلمة العلم بكل مشتقاته (علم، علمه، يعلمه،) وردت في القرآن الكريم اكثر من 712 مرة، بينما وردت الصلاة بكل مشتقاتها (الصلاة، يصلون، صلاتهم…) 100 مرة فقط، وورد لفظ الزكاة 33 مرة، وكلمة الحج 14، وكلمة الصوم 13، وكلمة الخمس 1 واحدة، اي ما مجموعه 161، هذه العبادات الخمسة وردت في القرآن، ويعني ذلك ان كلمة العلم وردت أكثر منها.
قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “أكثر الناس قيمة أكثرهم علما وأقلهم قيمة أقلهم علما”.
إنّ سبب هزيمة أمتنا ليس قلّة صلاتها وصيامها مع عظمتهما، بل السبب هو قلة العلم، وقيمة العلم عظيمة عند الله حتى أنه عُدَّ من فرائض الله، قال الإمام الصادق، عليه السلام: “طلب الله فريضة من فرائض الله”، وقال أمير المؤمنين، عليه السلام: “يا معشر الفتيان حصنّوا أعراضكم بالأدب ودِينكم بالعلم”.
وقال عليه السلام: “لا خير في دِين لا تفقّه فيه ولا خير في دنيا لا تدبير فيها ولا خير في نُسك لا ورع فيه”.
____________
(مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي حفظه الله).
