يتطلّع السيد محسن، نجل المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، لبلوغ الفرد مستويات رفيعة من الإيمان واليقين من خلال خوض الاختبارات بشجاعة وثقة، ضمن مشروعه الإصلاحي في السلوك والفكر في أوساط الشباب على وجه التحديد، مع حزم تحفيزية يقدمها سماحته لمساعدة هذه الشريحة، وافراد المجتمع بشكل عام، الى تحقيق ما يصبون اليه من سعادة وأمان في حياتهم.
وفي مؤلفه الجديد في هذا السياق يجيب السيد محسن المدرسي على تساؤل افتراضي –واقعي- من الناس على أن من سمات الدين وأحكامه اليسر والسهولة، وأن {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، بينما اختار مقدمة لموضوع كتابه اتسمت بالشدّة و “أن القابض على إيمانه كالقابض على جمرة”، مستشهداً برواية عن الامام زين العابدين وكيف اختبر جمعاً من المخلصين والمقربين، مستوى ايمانهم بالطلب اليهم بحمل جمرة ملتهبة بأيديهم، وكان الصمت جوابهم على هذا الطلب.
السيد المؤلف يحاول الإيحاء بأن الايمان ليس أمراً ترفاً يتحدث به الناس، او صفة يحملها الافراد؛ “مؤمن”، او “مؤمنون” دونما ثمن واستحقاقات والتزامات في الطريق، والرسالة نجدها واضحة للقارئ.
وفي معرض الإجابة على السؤال الآنف الذكر، فإنه يبيّن غايتين من وجود الشدّة والصعوبة في طريق الإيمان، الأولى: الاختبار والابتلاء، وهي سنّة أوجدها الله –تعالى- في الحياة، وجاءت صريحة في كلام الوحي في القرآن الكريم للتمييز بين معادن القلوب والنفوس، بين مَن يتحلّى بالصبر والشكر والتقوى، ومن لا يتورع عن ارتكاب المحرمات، وحتى من ناحية المستوى في الايمان نفسه، فثمة ايمان بمستوى ايمان عمار بن ياسر، ومستوى ايمان الشاعر؛ حسّان بن ثابت، والمسيرة مستمرة الى اليوم، والى يوم القيامة.
والغاية الأخرى التي يبينها سماحة السيد محسن المدرسي، وهي؛ الاستعداد لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية (تحديات النفس، وتحديات الواقع الخارجي)، “فاذا أردت أن لا تسقط في أول عاصفة، ولا تتراجع حين يرتفع ثمن الالتزام، فاجعل من يومك بناءً متدرجاً لذلك الايمان الذي يصمد، والتقوى التي تثبت، والإرادة التي لا تنكسر”.
علماً؛ أن ثمة غايات أُخر لجعل الله –تعالى- أحكام دينه تتسم بالشدّة لتكون المعيار في التفاضل والتكامل والتنافس بين افراد البشر، فاذا كانت أحكام الله يسيرة وسهلة، لن تزل قدم انسان عن طريق الرشاد والحق، إنما الصعاب والمشاق هي التي تظهر مدى صلابة الإرادة في أن يكون هذا أحسن وافضل من ذاك، كما هو حال المتسلقين للجبال أملاً في بلوغ القمم الشاهقة.
كيف يكون إيماني قوياً؟
يُجيب السيد محسن المدرسي عن سؤال القرّاء في الفصل الثاني من كتابه، محدداً عدة خطوات تساعد على تحقيق الصلابة في الإيمان منها: “البصيرة النافذة الى حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة”، بمعنى النظر البعيد، وتجاوز الدوائر الضيقة في الحياة، والتطلع الى ما هو دائم وحقيقي في الحياة الآخرة، وعدم التعلّق بسفاسف الحياة، وما فيها من مغريات توهم البعض أنها كل شيء في الوجود.
والعامل الثاني لتقوية الإيمان؛ الصلاة، التي هي عمود الدين، والتي تمثل “دور محوري في صناعة الانسان المؤمن، لأن الانسان يتصل بالله –تعالى- وياخذ منه العزيمة والقوة، ويكون أصلب أمام التحديات”.
انظر من قدوتك
وهذه مسألة منهجية ومحورية في آنٍ بما يتعلق بمستوى الايمان وصلابته، وفي هذا الفصل يناقش السيد المؤلف هذه المسألة من ناحية علم نفس الافراد وطريقة تقييمهم لذواتهم، وتأثير هذه الطريقة على اتخاذ القدوات فيما بعد، ويسلط الضوء –السيد محسن المدرسي- على موضوع المقارنة بين ذات الانسان والذوات الأخرى بحثاً عن المستوى الذي يرتضيه وترتاح له نفسه، ويذكّر بالمعضلة النفسية لدى الكثير عندما يقارنون انفسهم بمن هم دونهم لكسب الشعور بالثقة والاعتداد وأنهم في حال أفضل، ثم يطرح سماحته الرؤية الإسلامية لتحقيق مقارنة صحيحة بأن “الانسان ينظر الى من هو دونه في الرتبة عند النظر الى الأمور المادية الدنيوية، فيقتنع ببيته بالنظر الى من لا بيت له-مثلاً-، أما ما يتعلق بالحياة الآخرة، فينظر الانسان الى من هو أعلى منه، ليكون ذلك مزيداً من الوقوف للطاعة والعمل الصالح”.
أبعاد الإقتداء
في هذا الفصل (الثالث) يشير السيد محسن المدرسي الى مغالطة لدى البعض ممن يحاولون التنصّل من المسؤولية تجاه احكام الدِين، وعدم الحاجة الى الناصح، بأن “كل انسان ينام في قبره لوحده”! وفي مجال تفكيكه لهذه المغالطة، يؤكد سماحته على صحة ظاهر المقولة، بأن الانسان هو الوحيد المسؤول عن أفعاله، ولن يُعاقب شخصٌ آخر على ما يرتكبه هو، ولكن؛ هذا لا يكون تبريراً لاتباع الأفعال الخاطئة للآخرين، بل يجب ان تكون دافعاً للبحث عن القدوة الصالحة التي تحول دون تعرض الانسان الى المسائلة والعذاب في القبر بعد الممات.
وفي هذا السياق يؤكد سماحته على النماذج السامية الصالحة للاقتداء وهي؛ الأئمة المعصومون، والرسول الأكرم، والصديقة الزهراء، والأولياء الصالحون، ثم يعرّج سماحته الى موضوع غاية بالاهمية في طريقة الاقتداء بالمعصومين، وأننا “ارتكبنا ظلماً عظيماً بحقهم، صلوات الله عليهم، وبحق انفسنا، عندما جعلنا تعظيمهم وبيان فضائلهم ومكاتهم عند الله –تعالى- بصورة سلبنا عنهم جانب البشرية، لنسقط عن انفسنا واجب الاقتداء بهم”، ويورد في ذلك أمثلة جميلة، مثل إداء التحية والسلام من أمير المؤمنين على النساء، وتجنب هذا مع الفتيات الشابات، وجاء هذا في سؤال أحد الشباب لسماحته، معتقداً أن الرواية غير صحيحة، وقد صحح السيد محسن النظرة وطريقة قراءة الرواية والتعامل معها في سياق الاقتداء بالمعصومين، بأن أمير المؤمنين يريد تعليمنا كيفية الاحتياط في التعامل مع هكذا أمور من البداية حتى لا ننزلق في الأخطاء في النهاية.
يُجيب السيد محسن المدرسي عن سؤال القرّاء في الفصل الثاني من كتابه، محدداً عدة خطوات تساعد على تحقيق الصلابة في الإيمان منها: “البصيرة النافذة الى حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة”، بمعنى النظر البعيد، وتجاوز الدوائر الضيقة في الحياة
وفي الكتاب عناوين وموضوعات ابدع السيد محسن المدرسي في طرحها في سياق تحفيزي يشوّق القارئ الى أن يكون صلب الإيمان، ويتحسس هذه الصلابة ذات البعد الروحي والمعنوي في حياته اليومية –المادية، الى درجة ان يكون هو قدوة ونموذجاً للنجاح والتفوق والعمل الصالح للآخرين.
تجدر الاشارة أنه يمكن الحصول على الكتاب من دار البصائر والتي تُعنى بنشر مؤلفات السادة الكرام آل المدرّسي، والتي تقع في كربلاء (شارع قبلة الإمام الحسين) ولها فروع في بعض المحافظات الأخرى.
