الهدى – متابعات ..
في زمن تلتهم فيه التكنولوجيا الحديثة المهن اليدوية، تقف مهنة حياكة العباءة الصيفية الرجالية في العراق شامخة، عصية على الزوال. لم تكتفِ بالبقاء، بل زادتها منافسة الآلات الحديثة زهوًا ومهابة، حتى تربعت على كتف أسطورة كرة القدم العالمية ليونيل ميسي وهو يحمل كأس العالم.
السر في هذا الصمود يكمن، بحسب المختصين، في أن العمل اليدوي الدقيق الذي تتطلبه هذه المهنة، من غزل وحياكة وخياطة، لا يمكن لأي آلة صناعية أن تضاهي دقته وجودته. فبينما استسلمت العباءة الشتوية للمكننة الصناعية، بقيت الصيفية اليدوية الأصيلة متمسكة بهويتها، مؤكدة أنها “باقية وأعمار الطغاة قصار”.
تاريخ عريق وفنون متوارثة
وتعد العباءة زيًا عربيًا قديمًا توارثته الأجيال، وإن اختلف الباحثون حول تاريخها الدقيق، فمنهم من ينسبها للحضارة الأكدية، وآخرون للجاهلية، وبعضهم يربطها ببداية العصر الإسلامي. لكنها اليوم تتصدر الأزياء العربية بوقارها، ولها أسماء متعددة في العراق مثل “البشت” و”العباية” و”الهدم” في الجنوب.
وعن فنون حياكتها، يقول الحاج علي حسن موسى، صاحب معمل الخفاجي لخياطة العباءة في الكاظمية، إن حياكة العباءة اليدوية في العراق تختلف من منطقة إلى أخرى، مشيرًا إلى أن المناطق الأكثر شهرة هي المجر والنجف والحويا وقضاء القرنة.
ولأنها تمر بمراحل معقدة تبدأ بجز صوف الخروف وصولًا إلى يد الغازول والحائك والخياط، فإن سعرها يكون أعلى بكثير من الصناعية.
عباءة “التلث دراهم”.. وزنها خفيف وثمنها باهظ
ويوضح الحاج الخفاجي أن سعر العباءة اليدوية يحدده وزنها، حيث أن أغلى الأنواع هي ما يطلق عليها “تلث دراهم” أي بوزن 150 جرامًا فقط، ويتراوح سعرها بين 10 و12 مليون دينار عراقي.
كما أشار إلى أن العباءة النجفية هي الأكثر شهرة في دول الخليج، بينما المجراوية هي المفضلة في العراق لطول عمرها وقدرتها على تحمل الاستخدام اليومي.
أما عن عباءة ميسي، فيبين الخفاجي أنها كانت عباءة عادية تشبه النجفية وسعرها لا يتجاوز ثلاثة ملايين دينار عراقي، وأن المحل الذي باعها تحول إلى وجهة سياحية بعد البطولة.
صناعة يدوية ترفض الاندثار
من جانبه، يقول الحاج مصطفى حسن فرحان الكناني، أحد أحفاد العبايجي المشهور فرحان الكناني، إن صناعة العباءة الرجالية الصيفية تمر بمراحل عديدة، وتعتمد بشكل أساسي على صوف الأغنام المجزوز من منطقتي الرقبة والصدر لكونه أكثر نعومة.
ويؤكد الحاج الكناني، أن 80% من عملهم يعتمد على الصناعة الطبيعية، بينما 20% فقط للعباءات الصناعية لرخص سعرها.
وعن عباءة ميسي، يوضح الكناني أنها كانت من نوع “الرهيف” الياباني، وليست يدوية كبعض العباءات العراقية الأصيلة، وأن سعرها لم يتجاوز 2000 دولار.
صراع بين “المجراوية” و”النجفية”
ويكشف الكناني عن الاختلاف بين العباءتين المجراوية والنجفية، حيث أن الأولى أطول عمرًا لأنها تُحاك بالكامل من الصوف الأصلي وبلونه الطبيعي، بينما العباءة النجفية يأتي أغلب صوفها مصبوغًا.
كما أن حياكة المجراوية تتم بأيدي الرجال، وهو ما يجعلها قطعة واحدة، بينما النجفية تُحاك بأيدي النساء، مما يتركها بعدة قطع بسبب انشغالاتهن.
وأكد الكناني أن العباءة العراقية اليدوية، سواء كانت مجراوية أو نجفية، لا منافس لها في الدول العربية من حيث نقاء الغزل وجودة الحياكة اليدوية، مما يجعلها مرغوبة لدى أمراء وشيوخ الخليج.
