سلام الله عليك يا أباعبدالله الحسين، ما أعظمك –والعظمة لله-! وما أرفعك من علوٍ حتى بات العازف على الآلات الموسيقية يخال نفسه محلقاً نحوك!
ليس عندي ما أضيفه على ما استنكره المؤمنون والموالون لما قامت به وزارة الثقافة العراقية بإقامة “مهرجان الإنشودة الحسينية”، وإطلاق اسم الامام الحسين لأول مرة بين فرقة موسيقية في بغداد، إنما الكلام في القدرة الخارقة وغير الطبيعية لقضية مثل قضية الامام الحسين، المُضمّخة بالدماء، والمحاطة بالبكاء والحزن طوال أربعة عشر قرناً، في اختراق قلوب اشخاص لهم فهمهم الخاص للدين والعقيدة، غير ما ضحى من أجله الامام الحسين في كربلاء.
في السابق؛ وتحديداً في سبعينات القرن الماضي، كان الكربلائيون يشهدون تسيير مواكب حسينية في الشوارع يديرها افراد يتبنون النظرية الماركسية، وكانوا يحاولون تجسير أفكارهم الى الجمهور بواسطة بعض مبادئ النهضة الحسينية مثل؛ الحرية، والكرامة، وكانوا يعدون هذه النهضة جزءاً من نضالهم ضد الطبقية والديكتاتورية، علماً أنهم كانوا على دراية تامة بالهدف الأساس لنهضة الإمام الحسين وهي “لطلب الإصلاح في أمة جدي”؛ (الأمة الإسلامية)، وكانوا –ومايزالون- يعلمون بتفاصيل المشروع الإصلاحي، وأي إصلاح يقصد الإمام الحسين؟ وما هي مشكلته مع يزيد؟ بيد أن البعد الإنساني فتح الأبواب الواسعة أمام الباحثين عن الحرية والكرامة والسعادة في الحياة للانضمام الى هذه المسيرة، وإن كانوا لا يؤمنون بدين ولا بالخالق، أما النتائج والآثار لهذه المحاولات فنتركها لإصحابها، فهم معنيون أكثر.
وما يجدر التذكير به، وجود محاولات سابقة لوضع بصمات مشابهة (موسيقية) على الشعائر الحسينية كونها تمثل حالياً الجانب المرئي الأوحد على الساحة بمضامينه الفنية والأدبية، واندماجه مع الوجدان الشعبي الى درجة أن رفعها البعض الى مصاف الأعمال الواجب القيام بها خلال شهري محرم وصفر، ومثال ذلك؛ في مواكب الزنجيل، عندما يرفع العشرات من الرجال الزنجيل في إيقاع واحد ويهوون به على ظهورهم، جزعاً ومواساة مع موكب السبايا بعد الواقعة وتعرضهم للضرب بالسلاسل، ثم محاولات تسلل بعض الانغام الى المراثي الحسينية المسجّلة في الاستوديوهات لتكون ذات نكهة فنية جاذبة تكسب ملايين المستمعين والمشاهدين على منصات التواصل الاجتماعي.
في هذا الحيّز المحدود، لا أجد ثمة حاجة لفتح ملف اقتحام الموسيقى للثقافة الدينية، وتحديداً الشعر، والمسيرة الطويلة التي طوتها “الموشحات الدينية” في البلاد العربية باستخدام الدفوف والطبول والناي والعود وسائر الآلات الموسيقية، وما هي الخلفيات؟ وما هي النوايا والغايات؟
لنعد الى الحفل الموسيقي في بغداد لإحياء ذكرى استشهاد الامام الحسين، وننظر لما يقوله رئيس المهرجان، والمدير العام لدائرة الفنون الموسيقية في وزارة الثقافة العراقية، فائز طه سالم، بأن “المهرجان يحمل رسالة ثقافية وفنية ويعكس التنوع في الشعر والإنشاد الحسيني، موضحاً أن الحدث يهدف إلى توثيق هذه الثقافة ضمن الذاكرة الشعبية والتاريخية، ونقلها إلى المستوى العالمي بأسلوب معاصر”.
لا نحكم على النوايا سريعاً لأنها لا تفيدنا بشيء، إنما المهم الإشارة الى كمية الجهل في التفاصيل، والسطحية في الرؤية تجاه قضية مثل قضية الامام الحسين، عليه السلام، واللافت هنا؛ أن المعنيين اعلنوا دورية إقامة المهرجان كل عام، فهو المهرجان الأول، مما يستدعي التساؤل عن مدى اطمئنان هؤلاء المعنيين من نسبة فهمهم واستيعابهم للموضوع المُراد الترويج له من خلال عمل فني بهذا الحجم، وبأموال، هي بالحقيقة؛ أموال الشعب العراقي، والنسبة الكبيرة منهم؛ من شيعة الامام الحسين، عليه السلام؟
هنا نقف على مفترق رؤيتين مع وزارة الثقافة العراقية، والقائمين على هذا المهرجان؛ إما وجود قصور في فهم القضية برمتها، وفي استيعاب مبادئ النهضة الحسينية الداعية بالأساس الى إبقاء جذوة القيم الدينية والأخلاقية متقدة في النفوس على مر الأجيال، وإما وجود نوع من الإسقاط الثقافي بدعوى “العصرنة” على المشهد العاشورائي، وفرض شكلٍ جديد مما يعده البعض تعبيراً عصرياً عن الحزن، يُضاف الى الاشكال المعهودة والمنبعثة من الوجدان والقلب السليم، مثل اللطم على الصدور، والبكاء تحت المنابر، والذهاب سيراً على الاقدام لمسافات طويلة لزيارة الامام الحسين في اربعينيته، وإطعام الزائرين، وغيرها من الشعائر الحسينية.
وفي هذا الحيّز المحدود، لا أجد ثمة حاجة لفتح ملف اقتحام الموسيقى للثقافة الدينية، وتحديداً الشعر، والمسيرة الطويلة التي طوتها “الموشحات الدينية” في البلاد العربية باستخدام الدفوف والطبول والناي والعود وسائر الآلات الموسيقية، وما هي الخلفيات؟ وما هي النوايا والغايات؟ بقدر ما يهمنا طمأنة القارئ الكريم بالحصانة الربانية للمسيرة الحسينية عبر الأجيال والزمن، تحملها النفوس والقلوب، والعقول ايضاً لأنه “في السماء أكبر منه في الأرض، فإنه مكتوب عن يمين العرش الحسين مصباحٌ هادٍ وسفينة نجاة، وإمامٌ غير وهن، وعزٌ وفخرٌ، وبحرُ علمٍ و ذخر”، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله. (كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق). وإذن؛ من ركب سفينة الامام الحسين، نجا، ومن أنكرها هلك.
