من ظلام الإقصاء والحرمان، خرجت المرأة العربية الى نور الحياة بفضل نور الإسلام الساطع على يد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، لتكون النموذج المتكامل للمرأة –الإنسانة التي أراد لها الله –تعالى- الدور الرسالي والحضاري بنصّ الآية الكريمة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}، فالمرأة مدعوة كما الرجل لتحمل هذه الامانة الإلهية التي فسرها العلماء بمعانٍ شتى، ومنها؛ خلافة الله في الأرض.
في الذكرى الأليمة لرحيل النبي الأكرم عن الحياة الدنيا، يجدر بنا مراجعة التركة الثقافية له، صلى الله عليه وآله، و صياغته لمجتمع نقي وناهض تكون المرأة النقيّة محوره من خلال منظومة ثقافية تشمل التربية والتعليم والتزكية يعيد لها مكانتها ودورها في حياة المجتمع والأمة.
هذه الصياغة رافقت مسيرة الدعوة الى التوحيد والنظام الاسلامي، وكانت تباشير الخلاص من المولود الأنثى والنهي الشديد لعادة وأد البنات بصريح الآية القرآنية، ثم ايجاد المصاديق العملية في الواقع الاجتماعي آنذاك، بإسداء اللطف والحنان والودّ للبنت أكثر من الولد، ولعل ولادة السيدة فاطمة كمولود بكر لرسول الله من زوجته الوفيّة؛ خديجة، سلام الله عليها، يكون أحد أعظم المصاديق العملية على تعظيم المرأة –الأنثى في الإسلام، الى جانب طائفة واسعة من الاحاديث المروية عنه، صلى الله عليه وآله، في حق المرأة، منذ ولادتها، فقد جاء في الرواية: “بُشر النبي، صلى الله عليه وآله، بإبنة، فنظر إلى وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم، فقال: ما لكم؟! ريحانة أشمها و رزقها على الله عز وجل”، وهي شابّة يافعة؛ عن الإمام الصادق، عليه السلام، قال رسول الله: “نعم شغل المرأة المؤمنة الغزل”، ثم الحثّ على الزواج وعدم التأخير لاسباب مادية او مزاجية: “عن الإمام الرضا، عليه السلام: نزل جبرئيل على النبي، صلى الله عليه وآله، فقال: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام، ويقول: إن الأبكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر فإذا أينع الثمر فلا دواء له إلا اجتناؤه وإلا أفسدته الشمس، وغيرته الريح، وإن الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء فلا دواء لهن إلا البعول (الزواج)، وإلا لم يؤمن عليهن الفتنة، فصعد رسول الله المنبر فجمع الناس ثم أعلمهم ما أمر الله عز وجل به”.
أما عن الحياة الزوجية تكفينا وصيته لابنته في ليلة زفافها –من جملة وصايا عديدة بأن “لا تطلبي من زوجك شيئاً إلا ان يبادر هو الى ذلك” –مضمون الحديث- لأن تكون مادة اساسية في دستور الحياة الزوجية لمن يبحث عن النجاح والسعادة.
وتأكيداته، صلى الله عليه وآله، على المنزلة الرفيعة للأم، والتشديد على تكريمها أكثر من الأب: “أمك، أمك ثم أبيك”، وطائفة مشابهة لهذا المضمون في أحاديث رسول الله، صلى الله عليه وآله.
ماذا كسبت المرأة من العهد الجاهلي؟
تأثراً بالثقافة العالمية آنذاك؛ فان الجنس المؤنث لم يكن سواءً مع الجنس المذكر في الحقوق والواجبات والتعامل البشري، فقد كانت انسان من الدرجة الثانية، وبعض الديانات المحرفة كانت تعد المرأة مصدراً للشرّ والخطيئة والغواية، فهي غير جديرة بأن تكون عامل مساعد للرجل في تحقيق الخير والسعادة في حياته، ربما الفائدة الوحيدة المرجوة منها؛ اشباع الغريزة الجنسية عند الرجل، ثم مسألة الانجاب فقط لا غير، فهي غير جديرة بأن تكون متعلمة ولا متملكة لمال، ولا رأي لها في أي شيء بالحياة، وهذه النظرة الدونية التي كانت سائدة في جميع الحضارات البشرية، كان لها انعكاساً قهرياً على مجتمع الجزيرة العربية، وهو المجتمع الصغير والمتأثر بالثقافات والافكار من حوله.
وهذه النظرة الدونية المشوبة بالحذر والتشكيك، هي التي جعلت الانثى بشكل عام عند العرب تعاني مختلف اشكال القساوة والقمع والحرمان، بدءاً من حرمانها الإرث، ومن مهر الزواج الذي كان يذهب مباشرة الى ولي أمرها؛ الأب أو الأخ، وكانت تفقد حقها في التصرف بأموالها بمجرد زواجها، فيما كان الرجال يتناولون النساء بالزواج بأعداد غير محددة، ويطلقوهنّ أو يظاهروهنّ بأي وقت يشاؤون، ثم يعودون اليهنّ عندما تميل شهواتهم، وبالمجمل؛ فان نظرة الرجل الى المرأة كانت نظرة تملّك بامتياز، باستثناء بعض الوجوه من نساء الطبقة الاجتماعية الميسورة والمعروفة من القبائل فكان لهنّ –مثلاً- حق اختيار الزوج، ومن كُنّ يضاهين الرجال برجاحة العقل وقوة الشخصية والامكانية العالية في مجال الأدب والتجارة.
من أكبر التحولات الاجتماعية للإسلام؛ انقاذ المرأة من سطوة الرجل وإعادة الكرامة الانسانية لها التي منحها الله –تعالى- منذ أول الخليقة، والتأكيد على وحدة المنشأ للمرأة والرجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
أما عن ظاهرة وأد البنات، فقد كانت وصمة السوء الكبيرة على جبين المجتمع العربي في العهد الجاهلي لضحالة تفكيره وقصور نظره الى المرأة والبناء الاجتماعي بشكل عام، فقد كان التصور لدى بعض القبائل أنهم يتخلصون من أكبر عدد ممكن من البنات حتى لا يكونوا مصدر للشماتة والعار عندما يتعرضون للغزو من الاقوى منهم فيأخذون البنات أسرى ويصبحن إماء تحت رجال القبيلة القوية.
هاجس الضعف والهوان المتجذر في نفس الأنثى (المرأة) منذ العصور الغابرة، وربما حتى اليوم، هو الذي دفع البعض الى نزعة “التمكين”، او البحث عن مسارات لاكتساب القوة والمنعة من سطوة الرجل واستئثاره بحقوق المرأة، ولعل ظاهرة امتهان السحر والعرافة عند النساء منذ الحضارات البائدة، ومنذ عهود الانبياء، يعود في منشئه الى طفح المشاعر السلبية في نفس المرأة ومحاولتها المكابرة وصناعة شخصية قوية قادرة على التأثير في حياة الرجل والمجتمع بشكل عام.
الإسلام أول من كرّم المرأة في العالم
من أكبر التحولات الاجتماعية للإسلام؛ انقاذ المرأة من سطوة الرجل وإعادة الكرامة الانسانية لها التي منحها الله –تعالى- منذ أول الخليقة، والتأكيد على وحدة المنشأ للمرأة والرجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}، وفي معظم الآيات القرآنية، الدعوة الشاملة للتوحيد والأخلاق وطلب العلم والمعرفة والتزكية، مع تحديد الأدوار والمهام، وايضاً الخصوصيات الموجودة لدى كلٍ من الرجل والمرأة، فهي العاطفية التي تحتاج في تثبيت ايمانها الى أن {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}، كما تحتاج الى العفّة والحجاب لصيانة نفسها ممن {في قُلوبِهم مَرضٌ}، بينما الرجل فعليه المسؤوليات الكبرى في العمل والجهاد وكل ما يتعلق بخارج البيت، والمهمة الكبرى المتمثلة بمحاربة هوى النفس، وكبح جماح الغرائز، وفي مقدمتها الغريزة الجنسية.
وبالمحصلة؛ فان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، ونحن نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده الأليمة، علينا استذكار فضله العظيم في تكريم الأنثى منذ ولادتها وحتى شيخوختها، وفي مختلف مراحل حياتها، وهو القائل: “أحب من حياتكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة”، ولمن يبحث عن نظرة النبي الأكرم الى المرأة يكفيه مقارنته المرأة بالصلاة، وهي الممارسة العبادية، وهي عمود الدين.
