الأخبار

لحماية بيوت العراقيين؛ جهود لمعالجة أزمة نفسية واجتماعية تهدد العائلات

الهدى – متابعات ..

لم تعد البيوت في العراق مجرد ملاذات آمنة، بل تحولت في بعض الأحيان إلى محطات أخيرة للموت، حيث تزايدت حوادث الانتحار والقتل داخل الأسر بشكل مقلق.

وهذه الظاهرة، التي كانت تُعد استثناءً في الماضي، أصبحت اليوم أكثر شيوعاً، مما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وسبل المعالجة.

أرقام صادمة وتصاعد مستمر

وتشير إحصائيات وزارة الداخلية، إلى ارتفاع مقلق في معدلات الانتحار. فمنذ عام 2015، ارتفع عدد الحالات من 376 إلى أكثر من 1000 حالة في عام 2022.

وفي النصف الأول من عام 2024، سجلت البلاد ما يقرب من 300 حالة، منها 64 حالة في بغداد و16 حالة بين طلبة المدارس في كركوك خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام. وهذه الأرقام تعكس أن الظاهرة تتركز بشكل خاص بين فئة الشباب.

وعلى الرغم من انتشار بعض الحوادث بشكل واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل قضية الدكتورة بان زياد التي أثارت جدلاً واسعًا قبل أن يثبت القضاء أنها حالة انتحار، يؤكد علي العيساوي، مدير إعلام الأدلة الجنائية، أن تداول هذه الأخبار بكثافة يخلق إحساسًا مبالغًا فيه بانتشار الظاهرة.

ومع ذلك، لا ينكر العيساوي الزيادة الملحوظة في أعداد الحالات، ويعزوها إلى عوامل نفسية، اقتصادية، واجتماعية، مثل التفكك الأسري، غياب الحوار، والنزاعات المالية، فضلاً عن تعاطي المخدرات والإدمان.

الإعلام والمجتمع الرقمي: سلاح ذو حدين

ويؤكد العيساوي أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يلعبان دورًا مزدوجًا في هذه الأزمة. فمن ناحية، تساهم هذه المنصات في زيادة الوعي بالظاهرة، ولكن من ناحية أخرى، قد يؤدي التعرض المستمر لأخبار العنف إلى تغيير في سلوك الأفراد، وصولًا إلى التقليد. لذا، يشدد العيساوي على ضرورة أن يمارس الإعلام دورًا توعويًا وثقافيًا هادفًا، بالتنسيق مع الجهات الأمنية والصحية للحد من الظاهرة ومعالجة الأسباب الجذرية.

وفي السياق ذاته، ترى الباحثة الاجتماعية سهيلة الأعسم، أن التنمر الإلكتروني والعزلة الرقمية الناتجة عن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي قد ساهمت في تفاقم المشكلات النفسية.

كما أن “الوصمة الاجتماعية” المرتبطة بالأمراض النفسية تمنع الكثيرين من طلب المساعدة، مما يجعلهم يعيشون ضغوطات نفسية قد تؤدي إلى نتائج كارثية.

أزمة نفسية واجتماعية ما بعد الصدمة

ويحلل الباحث والاستشاري في العلوم النفسية، الدكتور علي الدهوي، ظاهرة القتل داخل الأسرة بأنها نتيجة “أزمة نفسية واجتماعية في ظل الانفتاح الرقمي”.

ويشير إلى أن العراق مرّ بعقود من الأزمات المتتالية، من حروب وحصار وانتشار للسلاح، مما خلق صدمة جماعية أثرت على الصحة النفسية للمجتمع وحولت الأسرة من مصدر دعم إلى ساحة صراع.

ويضيف الدهوي أن اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) هي أحد الأسباب الرئيسية، حيث يعاني الأشخاص الذين عاشوا في مناطق النزاع من أعراض مزمنة مثل القلق ونوبات الغضب.

بالإضافة إلى ذلك، أدى “الانفصال العاطفي” داخل الأسرة، الناتج عن انشغال الأهل بالنجاة الاقتصادية، إلى تراجع الروابط العاطفية وتحول أفراد الأسرة إلى غرباء.

غزو ثقافي وابتزاز إلكتروني

ويشير الدكتور الدهوي، إلى أن الانفتاح المفاجئ على الإنترنت بعد سنوات من العزلة جعل المجتمع عرضة لـ”غزو ثقافي وإباحي”، حيث تروج بعض المنصات مثل TikTok وInstagram لمحتوى لا يتناسب مع القيم المجتمعية، مما يضعف مفهوم الالتزام الأسري. ويعتبر الخيانة الزوجية والعاطفية الرقمية من أبرز أسباب التفكك الأسري، حيث تشير التقديرات إلى أنها تمثل 14% من أسباب الطلاق.

كما أن الابتزاز الإلكتروني، الذي يبدأ عبر علاقات افتراضية، قد يدفع الضحايا للانتحار أو ارتكاب جرائم انتقامية.

حلول مقترحة للحد من الظاهرة

ولمواجهة هذه الأزمة، يقترح الدكتور الدهوي، حزمة من الحلول تبدأ بإصلاحات تشريعية وأمنية، مثل إقرار قانون العنف الأسري وتفعيل العقوبات الرادعة، إضافة إلى حصر السلاح بيد الدولة وتدريب الشرطة على التعامل مع قضايا العنف الأسري.

كما يرى أن الإصلاحات الاجتماعية والنفسية ضرورية عبر إدخال مناهج توعية نفسية وأخلاقية في المدارس، وإنشاء مراكز دعم نفسي مجانية خاصة في المناطق المتضررة.

إعلاميًا، يشدد على أهمية تنظيم المحتوى الرقمي وحظر الترويج للعنف أو العلاقات المحرمة.

أما الحلول الاقتصادية، فقد أشار إليها المتحدث باسم وزارة العمل، حسن خوام، من خلال برامج تدريبية وقروض ميسرة لدعم الشباب والمشاريع الصغيرة، في محاولة للحد من البطالة والضغوط الاقتصادية التي قد تؤدي إلى أزمات نفسية.

وفي النهاية، يظل الطريق أمام المجتمع العراقي طويلاً، لكن البدء بمعالجة هذه الأزمة من جذورها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، بالتعاون بين جميع الجهات المعنية، هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الثقة والأمان داخل العائلة والمجتمع.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا