الهدى – بغداد ..
تتفاقم أزمة المياه في العراق لتشكل تهديدًا مباشرًا على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، وسط انخفاض حاد في الخزين المائي إلى أقل من 10 مليارات متر مكعب وتراجع حصة البلاد من مياه نهري دجلة والفرات.
وهذه الأزمة، التي تحولت من مجرد شح إلى ندرة حقيقية، أصبحت مصدر قلق كبير للمختصين والمسؤولين.
وفي لقاء صحفي، سلّط الدكتور مهدي ضمد القيسي، مستشار وزارة الزراعة، الضوء على التحديات الراهنة والإجراءات الاستراتيجية التي تتخذها الوزارة لمواجهتها، مؤكداً أن “إيرادات العراق المائية من دول الجوار، خاصة من تركيا وإيران، تراجعت بشكل واضح”.
وأضاف القيسي أن انخفاض الخزين المائي إلى أقل من 10 مليارات متر مكعب يشكل “خطرًا كبيرًا على الأمن المائي”، خصوصًا مع تزامن الأزمة مع موسم جفاف حاد.
وأشار إلى أن هذا الوضع فرض على اللجنة الوطنية العليا للمياه، برئاسة رئيس الوزراء، خياراً صعبًا لصيف 2025: إما تأمين مياه الشرب أو الزراعة.
ونتيجة لذلك، أعطيت الأولوية لمياه الشرب، ما أدى إلى منع زراعة محصول الشلب (الرز) لاستهلاكه العالي للمياه، باستثناء مساحات محدودة لأغراض بحثية.
الري الحديث.. حلول لمواجهة الشح
ولمواجهة ندرة المياه، أوضح القيسي أن وزارة الزراعة ركزت على استيراد منظومات الري بالرش لمحصول الحنطة، حيث تم التعاقد على أكثر من 13 ألف منظومة، وزعت منها نحو 6 آلاف على الفلاحين بأسعار مدعومة. وتوفر هذه المنظومات ما بين 30% إلى 40% من المياه مقارنة بالري السيحي التقليدي، مما يساهم في زيادة المساحات المزروعة.
وأكد القيسي أن هناك خطة شتوية لزراعة الحنطة تعتمد على منظومات الري والمياه الجوفية، مشدداً على أهمية الحفاظ على المخزون المائي الجوفي، الذي لا يقل أهمية عن المخزون السطحي.
المفاوضات المائية والقطاعات الأخرى
ودعا القيسي إلى تشكيل فريق مفاوضات فني ثابت يضم ممثلين عن الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني والقضاء، ويرتبط مباشرة برئيس الوزراء، لمواجهة دول الجوار بقوة أكبر.
واعتبر أن المفاوضات الحالية تفتقر للضغط الكافي، خاصة وأنها تقتصر على وزارة الموارد المائية وحدها. كما شدد على ضرورة استثمار أوراق الضغط مثل الميزان التجاري والمشاريع المشتركة كـ”طريق التنمية”.
وفيما يخص القطاعات الزراعية الأخرى، انتقد القيسي حصر الزراعة بمحصولي الحنطة والشعير، مؤكداً على أهمية الإنتاج الحيواني، والثروة السمكية، والبستنة، وزراعة الخضروات التي تعتمد على الري بالتنقيط وتستهلك كميات مياه أقل.
وفي ملف الثروة السمكية، أشار إلى أن ردم بحيرات الأسماك كان بسبب استهلاكها العالي للمياه، داعياً إلى تبني نظام التربية المغلق كبديل، رغم أنه يتطلب تمويلاً وطاقة كهربائية مستقرة، ما يستدعي دعمًا حكوميًا واعتمادًا على الطاقة المتجددة.
تحديات وتوصيات
وفي سياق آخر، لفت القيسي إلى تحديات تواجه القطاع الزراعي، مثل تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية، رغم تأكيده على أن الأولوية للمواطن في الأراضي غير الصالحة للزراعة، عاداً أن أي تجاوز على الأراضي الصالحة للزراعة وتجريفها هو مخالفة قانونية.
وأشار إلى أن قانون مجالس المحافظات سحب سلطة الإشراف على الزراعة من وزارة الزراعة، مما يحد من قدرتها على ضبط التجاوزات.
واختتم بالتأكيد على أن مواجهة هجرة الفلاحين والجفاف تتطلب قطاعًا خاصًا قويًا يتبنى مشاكل الفلاحين ويوفر لهم الدعم اللازم، في ظل محدودية قدرات الوزارة وتوسع مهامها.
