تربیة و تعلیم

المخرجات الإيجابية للزيارة الأربعينية

بالأمس القريب أحيى الملايين من زوار أبي عبد الله الحسين في كربلاء المقدسة، زيارة الأربعين المشهود لها بكثافة بشرية هائلة، تتجمع من كافة أصقاع الأرض لإحياء هذه الشعيرة الكبرى، والتي أسهمت ولا تزال في تعظيم شعائر الله تعالى، فالإمام الحسين ينتمي بالروح والفكر والعقيدة والدين والدم إلى جده رسول الله، صلى الله عليه وآله.

في هذه الزيارة المليونية كانت لنا جولات يومية ليلية ونهارية تأخذ معظم ساعات اليوم الواحد، نعيش فيها الأجواء الإيجابية المتميزة لهذه الزيارة، ونرصد الكثير من الحالات والمخرجات التي تضع جميع الناس وبالأخص الأطفال والشباب على الطريق العقائدي الصحيح من أجل مواصلة مسيرة هذه الحياة المتعرجة بأمن و وعي وسلام.

ومن هذه الحلات الإيجابية التي لاحظناها أثناء التجوال على المواكب الحسينية الكثيرة جدا، والتي قدمت للزائرين الكرام كل ما يحتاجونه من خدمات أساسية مثل الإطعام والمنام والشراب وغير من الأمور المهمة في الحياة اليومية للإنسان.

وكما ذكرنا أن زيارة أربعينية الحسين، عليه السلام، هي أضخم تجمع بشري ليس في العراق وحده، أو البلاد العربية والإسلامية، وإنما هي الأكبر والأضخم على مستوى التجمعات العالمية، وهذا التجمع يتطلب جهودا استثنائية كي تنجح هذه الزيارة، وقد اعتاد الشباب الحسيني أن يقدم كل ما من شأنه كفاية الزوار في جميع المجالات.

ولكن من أهم ما تمَّ رصده من قبلنا في هذه الزيارة، تلك الأعداد الكبيرة للأطفال التي حرص آباؤهم على اصطحابهم معهم إلى المواكب الحسينية، وقد جعلوا من هذه المواكب والخدمات التي تقدمها للزوار الكرام ساحة عمل تدريبية لهؤلاء الأطفال، وهم يؤمنون بالقول المأثور (خذوهم صغار) أي علموهم ما ترغبون أن يكونوا عليه وهم في أعمار مبكرة، وكذلك قول أمير المؤمنين، عليه السلام: “التعلّم في الصِغَر كالنقش على الحجر”، في إشارة واضحة إلى أن تعليم الصغار لا يُمحى طوال أعمارهم.

وبالفعل رأينا اهتماما كبير للآباء في زجّ أبنائهم عبر المواكب الحسينية بأعمال تقديم الخدمات المتعددة التي تناسب أعمارهم، فمثلا بعض الآباء أعطوا لأطفالهم (باكيت كلينكس)، وبدأ يعلم ابنه كيف يقدّم للزائر ورقة كلينكس يمسح بها التعرق الذي يجتاح وجهه ويكاد يغلق عينيه بسبب درجة الحرارة العالية، وقد دققنا النظر في وجوه الأطفال الصغار وهو يقومون بهذه الخدمة، حيث كانت تضيء بالسعادة والشعور بالرضى لأن هذا الطفل يشعر بأنه يقدم خدمة للزوار الكرام وبهذا يعيش شعورا خاصا يشعر من خلاله بأنه له قيمة ودور كبير في هذه الحياة، ومثل هذا الشعور يعزز ثقة الطفل بنفسه ويجعله مقبلا على الحياة ومنتجا فيها.

وهنالك أطفال علّمهم آباؤهم على مهام أخرى مثل توزيع كاسات الماء البارد على الزوار، فترى وجه الطفل يكاد يشرق بالفرح والسعادة الهائلة، وهكذا تتم عملية غرس هذه الحالة التطوعية في نفوس وقلوب وعقول الصغار، فيعتادوا عليها وهم أطفالا، وتكبر معهم فتصبح جزءا من شخصيتهم الإيجابية، وهذه حالة من حالات كثيرة تعد من المخرجات الإيجابية المهمة للزيارة الأربعينية، وبالفعل فإن الرجال الكبار والكهول الذين يواصلون خدمة الزائرين الكرام اليوم هم أطفال الماضي حيث غرس فيهم آباؤهم هذه القيم الحسينية العظيمة التي تسهم في صناعة شخصية واثقة ومنتجة ومفيدة للمجتمع.

من أهم ما تمَّ رصده من قبلنا في هذه الزيارة، تلك الأعداد الكبيرة للأطفال التي حرص آباؤهم على اصطحابهم معهم إلى المواكب الحسينية، وقد جعلوا من هذه المواكب والخدمات التي تقدمها للزوار الكرام ساحة عمل تدريبية لهؤلاء الأطفال

كذلك أطفالنا اليوم الذين رأيناهم يتعلمون من آبائهم تقديم الخدمات للزائرين عن طيب خاطر، إنما يتم إعدادهم من الآن، للسنوات والعقود المقبلة حين يصبحوا كبارا ويعلموا صغارهم ويغرسوا فيهم القيم الصحيحة للحياة، وهذه هي دورة الحياة التي لا تتوقف، ولكن حين تغرس في عقول الأطفال والمراهقين هذه السلوكيات، فإنك فيي الحقيقة تبني لهم شخصية متفاعلة ومتفائلة وحيوية سيكون لها دورا كبيرا في صناعة الحياة الجيدة.

نعم، هي أعمال تبدو شكلية وبسيطة، ولكنها تزرع روح التفاؤل في عقلية الطفل، وتجعله يشعر بأنه كيان مهم وكائن قادر على صناعة الحياة الجيدة من خلال قدرته على أداء دور عملي إيجابي وهو يقدم مختلف الخدمات للزوار الكرام حتى لو كانت بسيطة، ولكنها كبيرة بالنسبة لهم، لأنهم (الأطفال) يرون بأن مساهمتهم في خدمة الزوار تصب في خدمة الإمام الحسين، عليه السلام، فيزداد تعلقهم بإمامهم وبدينهم حيث يكبرون عاما بعد آخر، ويتمسكون بهذه الخدمة التي يستحقها زوار أبي عبد الله الحسين عليه السلام، لهذا فإن مخرجات زيارة الأربعين كبيرة في معانيها وانعكاسها على حياة الأطفال والمجتمع كله.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا