من السنن الالهية الثابتة ان الانسان مفطور على الايمان بالله وحبه، ومن ثم البحث عن وسيلة تقربه الى الله – عز وجل – إلا أن حُجب الشهوات وحواجز الجهل والغفلة وضغوط الحياة تمنعه من الاتصال برب العزة ذي الجلال والكمال المطلق، ومهما ابتعد الانسان بسبب جهله وشهواته والضغوط التي يتعرض لها فإنه لابد ان يعود الى الله، والى الفطرة التي ترجعه الى بارئه من خلال التوبة.
وليست التوبة ناجمة عن الذنب فقط، وانما عن الغفلة والجهل والنسيان، إذ أن الطبيعة المادية التي جُبل عليهـا الانسان تدعوه الى تلك الصفات السلبية، فالتوبة من الجهل انما تتحقق بالرجوع الى الله – تعالى شأنه -، والى العلم والجمال والقدرة والنور، ولذلك فإن الانبياء والائمة الاطهار، عليهم السلام، عُرف عنهم انهم كانوا توابين، أوآبين، لا لأنهم ارتكبوا الذنوب وحاشا لهم ان يرتكبوا الذنوب وهم المعصومون المختارون من قبل الله – تعالى -، بل لأنهم يريدون ان يتوبوا من الغفلة التي قد يقعون فيها احيانا بحكم كونهم بشرا، لذلك نراهم يتوبون المرة بعد الاخرى، لكي يصفّوا انفسهم من هذه الطبيعة البشرية.
إن الله – تعالى – هو خالق الانسان، وهو يعلم ما توسوس به نفسه لانه اقرب اليه من حبل الوريد، والانسان – بطبعه – ظلوم، جهول، عجول، ولذلك فقد أركس في الغفلة، ولأن ضغوط الحياة عليه كبيرة فإنه كلما تابَ الى ربه وجدَ امامه ابوابَ الرحمة واسعة تحتضنه، ورحاب المغفرة في استقباله، فإذا استطاع الانسان ان يستغل هذه النعمة (نعمة التوبة) فقد اصبح بمثابة النهر يطهر بعضه بعضا، فكلما دنسته الشهوات والمشاكل، وحجبته الغفلة، بادر الى تطهير نفسه، وتحصن ضد الدنس بالتوبة ؛ حيث يتوجه الى الله – عز وجل – ويرجوه ان يختم عاقتبته بخير امتثالا لقوله تعالى: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ}.(سورة البقرة، الآية: 132).
وقد يعيش الانسان حالة ارتكاب الذنوب، والعيش في الغفلة، فإن مات قبل ان يذنب مرة اخرى وهو تائب، محيت ذنوبه السابقة، فلا يموت الا وهو طاهر، مطهر، ومن ختم الله – جلت قدرته – له بخير دخل الجنة بغير حساب.
المؤمنون حقا يحولون حياتهم الى قطعة من الجنــة يعيشون عليها في الدنيا، ومن كانت دنياه جنة، فإن آخرته ستكـون جنة ايضا، فهم يجعلون من بيوتهم واولادهم والاجواء التي يعيشون فيها نظائر للجنة وما فيها من اجواء الرحمة والبركة
ولا شك أن الموت زائر كريه بالنسبة الى الانسان، فهو يأتي بلا استئذان، في الليل والنهار، لا يفرّق بين معافي ومريض، وبين شاب وعجوز، وليس له مقياس او موعد معين، ولذلك فإن الانسان لايستطيع ان يضمن نهايته الا من خلال التوبة المستمرة الى اللـه – سبحانه وتعالى – فعليه ان يتذكر الله، ويتوكل عليه كلمـا طاف به طائف من الشيطان لكي لايموت على الذنب – والعياذ بالله – بل يموت طاهرا مطهـرا.
التوبة اساس الصفات المثلى
وفي هذا المجال يقول تعالى: {تُوبُـوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَـةً نَصُوحــاً}.(سورة التحريم، الآية:8).
إن ملك الموت الموكل بكل انسان، يأتي على حين فجأة، ودون ان يكون لنا اي سابق علم، فلا يرده باب ولا سور ولا برج، ولايمنعه مال ولا رجال، ولذلك فإن التوبة هي سبيلنا الوحيد الى التهيؤ لهذا المــوت، ومن كانت عنده هذه الحالة؛ حالة التوبة، فإن الصفات المثلى هي الاخرى ستكون حاضرة لديه، ومكتملة فيه، كما يقول – تعالى – : {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فإنهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابــاً * وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّـرُوا بِاَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِـرُّوا عَلَيْهَـا صُمّاً وَعُمْيَاناً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً * اُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَبِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَـرّاً وَمُقَاماً * قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً}.(سورة الفرقان، الآيات: 71-77).
وهكذا فإن المؤمنين التائبين الى الله – عز وجل – لايقولون باطلا، وانما يفكرون ويتدبرون، ثم يتكلمون لكي لايقولوا زورا وبهتانا وكذبا، فهناك الكثير من الناس اذا جلس الواحد منهم مع شخص آخر تراه يتكلم معه بما يعجبه حتى اذا كان عدوه، في حين ان الانسان المؤمن يجب عليه ان يتكلم مع الاخرين بما يعرف انه الحق سواء رضي الطرف المقابل ام غضب، فلا تظهر نفسك كما لو كنت افضل من الاخريـن فإن اللـه تعالـى يقـول: {وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ}.(سورة آل عمران، الآية: 188).
وهكذا فإن المبالغة في البطولات والانانيات والتشدق هي سلوكيات تخالف سلوكية التوبة التي يجب ان يكون عليها الانسـان المؤمن؛ فالتوبة هي لباس التقوى، والخشوع امام الله عز وجل، والتواضع امام الناس، فالمؤمن التائب تراه مسكينا ضعيفا في ذات نفسه، عزيـزا بالله، وبقدر ما يشعر بحقارته امام الله، فإنه يشعر بالعزة بين الناس، فلا يخضع للقوة والجاه.
{وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}، فحياة المؤمنين التائبين قائمة على الجد والعمل الصالح، فلا وقت لديهم للهزل واللعب واللهو، ولا تستطيع مجالس الكلام الفارغ ان تجذبهم للخوض فيما لايعنيهم، فهم يكرمون انفسهم، ويجلونها عن صرف اعمارهم الغالية في قضايا تافهة، ثانويـة.
ففي يوم القيامة يندم كل انسان على ما فرط في دنياه، فالكافر يعض يديه ندما حتى يكاد أن يقطعهما، والمؤمن يندم على الاوقات التي لم يستغلها من قبل كأن يقول – مثلا -: كان بأمكاني ان اتوب، واحاسب نفسي، وان اعمل الخير ولو باماطة الاذى عن الطريق فهي صدقة … وهكذا اينما توجهت فإن ابواب الثواب مفتوحة فإن لم تلجها فسوف تندم يوم القيامة على كل لحظة قضيتها دون ان تستغلها.
المؤمن لا تأخذه العزة بالاثم
إن كل ابناء آدم يُخطئون، ولكن الفرق أن بعض الناس إن اخطأ وذُكّر بخطئه اخذته العزة بالاثم، وهناك المؤمنون الحقيقيون الذين يشير اليهم تعالى في قوله : {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِاَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّـاً وَعُمْيَاناً} فالواحد منهم اذا ذكّر بآيات الخالق – تعالى – فتح عينيه واذنيه، بل فتح بصيرته، ولم يقف ازاءها موقف الاصم الاعمى .
حياة المؤمنين التائبين قائمة على الجد والعمل الصالح، فلا وقت لديهم للهزل واللعب واللهو، ولا تستطيع مجالس الكلام الفارغ ان تجذبهم للخوض فيما لايعنيهم، فهم يكرمون انفسهم، ويجلونها عن صرف اعمارهم الغالية في قضايا تافهة، ثانويـة
ثم يقول – عز من قائل – : {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَاقُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}، فالمؤمنون حقا يحولون حياتهم الى قطعة من الجنــة يعيشون عليها في الدنيا، ومن كانت دنياه جنة، فإن آخرته ستكـون جنة ايضا، فهم يجعلون من بيوتهم واولادهم والاجواء التي يعيشون فيها نظائر للجنة وما فيها من اجواء الرحمة والبركة، وذلك من خلال حُسن تعاملهم وتضيحاتهم والتعـاون البنّـاء مع اخوتهم المؤمنين حتى يصبحوا قدوة صالحة للاخرين، بل ان الوصول الى هذه القمة السامقة يزيدهم توكلا على الله تعالى، فيتضرعون الى ربهم بالدعاء، في حين يقف المكذبون بالله، والمستكبرون، دون ان يدعوا ربهم، ويتضرعوا اليه بالتوبة والاستغفار، وهؤلاء سيدخلون جهنم داخرين.
