الهدى – متابعات ..
تعدّدت التحديات البيئية التي تواجه العراق، لكن أزمة تلوث الأنهار برزت كخطر متفاقم يهدد الأمن المائي وصحة السكان.
فنهرا دجلة والفرات، اللذان يمثلان شريان الحياة في البلاد، أصبحا مكبًا للنفايات الصلبة والسائلة، بما في ذلك المخلفات الطبية الخطرة، في ظل نقص الإمدادات المائية وضعف الرقابة الحكومية.
تدهور بيئي يثير قلق المواطنين والخبراء
ولم يعد تلوث الأنهار في العراق ظاهرة عابرة، بل تحول إلى مشكلة كارثية. ويعبر السكان المحليون عن مخاوفهم من هذا الواقع، حيث يقول سعد كاظم، أحد سكان المنطقة، إن المياه “تحوّلت إلى مجرى ملوث مملوء بالمخلفات”، مؤكدًا أن “إلقاء نفايات المستشفيات في النهر جريمة بحق الإنسان والطبيعة”.
من جهتها، عبرت نغم علي، عن غضبها متسائلة: “كيف يسمح المسؤولون بإلقاء مخلفات المستشفيات في النهر؟ هذه النفايات تحمل الجراثيم والفيروسات، وتهدد حياة الناس”.
بدوره، حذّر الناشط البيئي أنس الطائي من أن هذه الظاهرة “تمثل إحدى القضايا الكارثية التي تؤدي إلى تدهور جودة المياه بشكل كبير”. وأوضح أن انخفاض منسوب المياه، الناتج عن قلة الأمطار ونقص الإمدادات من دول المنبع، يفاقم المشكلة، ويؤدي إلى تكدس النفايات والمواد السامة التي تؤثر سلبًا على الثروة السمكية والزراعية.
كما أضاف أن عمليات معالجة المياه الحالية غالبًا ما تكون سطحية، ولا تضمن تنقية كاملة من المواد السامة، ما يجعلها غير صالحة للشرب والاستخدامات الأخرى.
ضعف الرقابة وعقوبات غير رادعة
وتتضمن القوانين العراقية، مثل قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، نصوصًا صريحة تحظر إلقاء الملوثات والنفايات في المياه وتفرض عقوبات على المخالفين. ومع ذلك، تشير الشهادات إلى أن هذه القوانين لا تطبّق بفعالية.
وكشف مصدر في القطاع الصحي، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن بعض المؤسسات الصحية تتخلص من نفاياتها الطبية عبر مجاري الأنهار، مرجعًا ذلك إلى “ضعف الرقابة وارتفاع كلفة المعالجة السليمة”.
وفي هذا السياق، أكد المستشار في وزارة البيئة، الدكتور عمار العطا، أن الوزارة تواجه تحديًا كبيرًا في عدم امتثال العديد من القطاعات، خاصة البلدية والصحية، للقوانين البيئية.
وأوضح أن الوزارة تعتمد على الإنذارات والغرامات، وقد تصل إلى إغلاق النشاط المخالف، لكن العقوبات الحالية محدودة نسبيًا. ولذلك، تعمل الوزارة على إعداد قانون جديد لتشديد العقوبات لضمان ردع المخالفين.
شح المياه يزيد الأزمة تعقيدًا
وتفاقمت أزمة التلوث بالتوازي مع التحديات التي تواجه العراق في إدارة موارده المائية، والتي أعلنت عنها وزارة الموارد المائية في خطتها الأخيرة.
وأفاد مدير الموارد المائية بالوزارة، طه عباس المحياوي، أن العراق “يعد من أكثر بلدان المنطقة تأثرًا بالتغيرات المناخية”، ويواجه صعوبة في تأمين المياه كونه “بلد مصب وليس بلد منبع”.
وأوضح المحياوي، أن الخزين المائي الإجمالي في البلاد يبلغ حاليًا 8% فقط، وهو ما يجعل أي تلوث في الأنهار أكثر خطورة.
وختم العطا حديثه بالتأكيد على أن محطات معالجة النفايات في مؤسسات مثل “مدينة الطب” تعمل بكفاءة، وأن ما يلقى في الأنهار من مياه صرف صحي يعود لمسؤولية الدوائر البلدية في بغداد.
وهذا الواقع يلقي الضوء على ضرورة تنسيق الجهود بين جميع الجهات المعنية لوقف الممارسات الضارة، ووضع استراتيجية وطنية شاملة لحماية الأنهار وضمان أمن العراق المائي للأجيال القادمة.
