مناسبات

زيارة الأربعين: رحلة المعرفة بالحق وغفران الذنوب

زيارة الأربعين شعيرة حسينية تستقطب ملايين الزوار إلى مدينة كربلاء المقدسة، فهي نشاط جماعي يُساهم فيه حشود بشرية هائلة لا نجد لها نظيرا على المستوى العالمي، ويتدفق فيها الناس من كل حدب وصوب على مدينة كربلاء سيرا على الاقدام أو عبر وسائط النقل الأخرى، ويتوجه إلى هذه الزيارة زوار كرام من جميع دول ومدن العالم، بالإضافة إلى زوار العراق.

في زيارة الأربعين يتوجه الزائر إلى الإمام الحسين عليه السلام، يدخل مرقده الشريف، ويطلب مراده، ويستشفع الإمامَ في الخلاص من الذنوب التي تلتصق بالإنسان طالما كان ناشطا ومتحركا في هذه الدنيا، حتى لو لم يكن هذا الإنسان قاصدا ارتكاب الذنب، فنتيجة لمصاعب الحياة وتضارب المصالح، قد يرتكب الإنسان ذنبا لا يقصده لكنه يبقى محسوبا عليه، ولهذا يتوجه إلى كربلاء المقدسة، إلى الإمام الحسين عليه السلام كي يتطهر من الذنوب.

فيبدأ أولا بمعرفة هذا الإمام المناصر للحق، الذائد عن الإسلام، وتطبيقا للحديث الشريف: “من زار الحسين عارفا بحقه غفر الله له من ذنوبه ما تقدم وما تأخر”، لهذا تبدأ رحلة المعرفة بالإمام الحسين عليه السلام، ويعرف الإنسان بأن الإمام خرج من الحجاز إلى كربلاء المقدسة دفاعا عن الإسلام واستعادة له بعد أن أدخله يزيد في مسار الانحراف.

ونظرا لكون يزيد حاكما مستبدا، فإن كثيرا من المسلمين لاذوا بالصمت والتزموا السكوت، ولم يسكت سبط الرسول، صلى الله عليه وآله، فبعد أن تجاوز الظلم حدّه، وعاث يزيد في الأرض فسادا، واستهزأ بدين الإسلام، وضرب بكل القيم الإسلامية الأصيلة عرض الحائط، وراح يحيك الدسائس ويُطلق حملات التشويه العقائدي، فما كان من الإمام الحسين إلا أن يرفع صوت الحق عاليا، ويحذر يزيد من مغبّة الطريق الذي يسير فيه نحو الهاوية.

فاندلعت الثورة الحسينية من الحجاز، وانطلقت معها النهضة الحسينية التي سعت إلى تنوير عقول المسلمين، وتوضيح ما يجري للإسلام في ظل حكومة يزيد المستبد، وأن السكوت على هذه الإجراءات المخالفة للإسلام ظلم ما بعده ظلم، وهكذا يقف الحسين، عليه السلام، حاميا عن الدين، صارخا بصوت الحق، معلنا تحدي يزيد الذي لم يرتدع من أعماله الخارجة على التعاليم الإسلامية، وبدأت منازلة الحق ضد الباطل.

زيارة الأربعين زيارة الحق ضد الباطل، وزيارة المعرفة، وزيارة محو الذنوب، وزيارة الخلاص من مكائد الدنيا، وهي أيضا زيارة البدايات الجديدة

وهكذا تم فضح يزيد في عقر داره، خصوصا عبر تلك الخطبة الزينبية المجلجلة التي جعلت يزيد يطأطئ رأسه ولا يستطيع أن يرفع عينيه حتى في مجلسه لاسيما عندما خاطبته بالقول: “فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين”. وتستمر الملحمة الحسينية ويسقط يزيد وأمثاله في شر أعماله.

ويبقى الإمام الحسين، عليه السلام، رمزا عظيما وخالدا وأبديا للحرية، وينال المكانة العظمى عند الله تعالى، فيلتفُّ حوله مناصروه ومؤيدوه من كل أصقاع العالم، ويصبح أيقونة الثورة والثوار، ويرتعد منه الحكام الطغاة ليس في بلاد المسلمين وحدها وإنما ثوار العالم كله اتخذوا من النهضة الحسينية طريقا للتحرر من ربقة الحكام الظالمين المستبدين.

ولهذا نرى هذه الملايين التي تتجه إلى كربلاء المقدسة، حاملة في قلوبها حبًّا عظيما وخالدا للحسين، ومعرفة بحقه في منازلة الحق ضد الباطل، حتى ينال كل زائر من زوار الأربعين شفاعة الحسين عليه السلام، لهذا فإن زيارة الأربعين زيارة الحق ضد الباطل، وزيارة المعرفة، وزيارة محو الذنوب، وزيارة الخلاص من مكائد الدنيا، وهي أيضا زيارة البدايات الجديدة.

فحين يأتي زائر الأربعين إلى الحسين الشهيد، يطلب المغفرة، ويحصل عليها، وعندما يعود من حيث أتي ومن أي مدينة أو بلد جاء منه، فإنه يصمم على أن يبدأ رحلته في الدنيا بشكل آخر، وبطريقة بعيدة عن المعاصي، فيصبح نظيف القلب، معافى من كل تلويث بالمعاصي، بعد أن استغفر الله تعالى عن ذنوبه في حضرة الإمام الحسين، وحصل على مراده وعاد إلى بلاده، وبدأ من جديد حياة أخرى غير حياة الذنوب.

ختاما: هذه هي زيارة الأربعين، تمنح الزائر ما يبتغيه، فإذا جاء إلى الحسين متوسلا به ومتضرعا من خلاله إلى الله تعالى، فإنه سوف يعود إلى دياره بعد أن يفوز بشفاعة الحسين، عليه السلام، عند الله تعالى، وهذا ما ستحصل عليه هذه الملايين التي تتعنّى من أبعد الأمكنة في العالم لتشارك في إحياء مراسيم شعيرة الأربعين، ناصرةً للإمام الحسين وللحق الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا