ما أحوجنا اليوم ونحن نعيش في عصر يغلب عليه الفكر المادي الى ما ينعش الروح ويضفي عليها الحيوية والنشاط بعد ركود وخمول، وما مدى شحة البرامج المختلفة التي تغمر حياتنا لما يُحيي الجانب الروحي للإنسان مقابل الطابع الحياتي المادي الذي فرض علينا نتيجة التسليم الى الواقع التقني والإعلامي والفني.
إن الجانب المعنوي مهم جداً، وبُعدا من أبعاد شخصيتنا الإنسانية الذي لا يمكن تجاوزه أو التغافل عنه لما لذلك من آثار تشكل خطرا كبيرا على حياتنا، وهذا مما لا تغفله التربية الإسلامية في نصوصها أو تراثها الفكري، وهذا ليس قيدا على ديننا فقط، بل كل الدراسات المعاصرة تشير لما للجانب الروحي وتنميته من آثار مهمة على واقع الحياة، على مستوى الفرد والمجتمع، وثقافة ذلك واضحة في قول الإمام علي، عليه السلام، الذي ينص به على: “أن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم”، أي الابتعاد من الجانب المادي الى الجانب المعنوي لما لذلك من أثر في التجدد الروحي لنتجنب بذلك الملل والسأم في التعاملات المختلفة.
في هذه المناسبة ما نعجز عن وصفه من محتوى، وما لا نبلغ إحصائه من مواقف مختلفة يتجسد فيها التجدد الروحي على المستوى الشخصي والاجتماعي
وفي محط ذكر اللطف الإلهي في هذا المجال، نجد أننا نمر كل عام بمناسبة دينية عظيمة، ومحفل شامل لكل الإبعاد الروحية التي تتضمنها المستويات الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، ألا وهي زيارة الأربعين للإمام الحسين، وأهل بيته وأصحابه عليهم السلام، وفي هذه المناسبة ما نعجز عن وصفه من محتوى، وما لا نبلغ إحصائه من مواقف مختلفة يتجسد فيها التجدد الروحي على المستوى الشخصي والاجتماعي ككل، فنجد في هذه المناسبة الاهتمام الكامل والصبغة الغالبة للذكر الإلهي من صلاة وعبادة وقراءة القرآن، والالتزام الكثير والطاعة الشاملة بالتعاليم الإسلامية السامية، كما نجد معاني الإيثار في العطاء والسخاء وتقديم الخدمة بالشكل الذي قد لا نقارنه مع بقية الأيام من غير تلك المناسبة الكريمة.
فهي مناسبة يمكن ان نقول بعث للروح الإيمانية من جديد وصقلها بعد الركام الذي غطاها نتيجة الغفلة أو الذنوب أو الهموم فتخرج بها الى درجة الإنسانية لتتحلّى بكل صفاتها وخصالها وتبتعد عن مردياتها.
وبالنظر الى أسباب الجفاف الروحي، وكما ذكرت من طاعة للشيطان واقتراف الذنوب، وارتكاب المعاصي، وحب الدنيا، والوقوع بأمراض القلب من حقد وبغض ونفاق وحسد وطاعة للهوى واتباع للشهوات والركض وراء الاعتبارات واكل الحرام، نجد ان كل ذلك يغيب امام السلوكيات التي تتخلل هذه المناسبة من تواضع وتسامح ومحبة وعطاء وتعاون ووحدة هدف، والى الكثير من فعاليات روحية مختلفة.
وهذا ما يجعل النفس الإنسانية في محل فطرتها التي فطر الله الناس عليها، الأمر الذي يجعلها في طاقة روحية متفجرة، وبذلك تشكل هذه المناسبة -زيارة أربعينية الأمام الحسين، عليه السلام- محطة من المحطات الإلهية للتجدد الروحي والتنمية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
- دخيل، محمد علي، ألف حكمة للإمام علي، عليه السلام، دار المرتضى، ط1، بيروت، لبنان، 2002/2003.
- البطاط، سيد حسون، التنمية البشرية، دار الفيحاء، ط3، لبنان ، 2019.
