حدیث الناس

الأخلاق الحسينية

لم يكن الامام الحسين يمتلك قوة سوى الأخلاق في مواجهة كل اشكال الانحراف والفساد في الأمة، وكذا الحال كان لأهل بيته من بعده؛ الأمام زين العابدين، وعمته العقيلة زينب، عليهما السلام، خلال مسيرة السبي بعد واقعة عاشوراء، لم تكن لديهم قوة المال، ولا قوة السلطة، ولا حتى قوة الوجاهة الاجتماعية، فقد أنكر القوم قرابتهم من رسول الله، وتجرأوا على الله –تعالى- بقتل ابن بنت نبيه، وسبي عياله.

قوة الأخلاق العظيمة هذه هي التي نراها اليوم تبعث الروح في نفوس الشباب والناس أجمعين خلال زيارة الأربعين المليونية في أن يقدموا ويخدموا بكل ما أوتوا من قوة المال والوجاهة الاجتماعية، والجهود العضلية. ولكن!

ما سرّ هذه القوة يا تُرى؟!

الامام الحسين، عليه السلام، المفترض الطاعة، وخامس أصحاب الكساء، وآخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، نراه يفكر بمشاعر أم لشاب صغير استشهد والده في المعركة، وحاول إرجاعه الى أمه لقوله، عليه السلام: “ربما تكره خروجه”، هذا الكلام العظيم ذو الابعاد النفسية العميقة، يجب أن نصفها الى جانب كلمات أخرى تكتب بالذهب لما لها من إضاءات تربوية عالية، فهذا يُعد لنا درساً في احترام مشاعر الآخرين، وفي وقت غاية في الحساسية والخطورة على الامام الحسين، و ربما أي شخص آخر في موقع قيادي وسط معركة حاسمة مثل عاشوراء، لا يرى ضيراً من التحاق الجميع لنصرته وهو وحيد في الميدان.

كل حركة في الشارع، وكل كلمة تقال، وكل عمل في موكب خدمي، منظورة من قبل صاحب الذكرى (الامام الحسين) لأننا ندّعي وصلاً به، وكل ما نفعله تحت شعار “خدام الحسين”، و”خدمة الزائرين”، يجب أن تتطابق في صفاتها، مع صفات الامام الحسين، عليه السلام

الامام زين العابدين، عليه السلام، في الشام يقترب منه رجل طاعن في السنّ، ويبدأ على الفور برشقه بوابل من الاتهام والتقريع بأن “الحمد لله الذي قتلكم وأراح البلاد من رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم”! فما كان جواب الإمام على جهل وغفلة هذا الانسان المضلل بالدعاية الأموية؟ سأله: يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال نعم. ثم بين له منزلته ومنزلة أبيه وأهل بيته المقتولين والمسبيّين بفعل “أميره”، ولم يتحدث عن الإمامة والولاية المفروضة من قبل الله –تعالى- على المسلمين كافة، لأن هذا الشيخ الطاعن في السنّ، لاشكّ أنه يعد سبّ أمير المؤمنين من الفرائض، كما هي الصلاة والصيام وفق السنّة التي فرضها معاوية طيلة حوالي سبعين عاماً على المسلمين.

نحن هذه الأيام نقيم المآتم تخليداً لذكرى أربعين الامام الحسين، وإحياءً لذكرى سبايا أهل بيته من كربلاء الى الكوفة ومنها الى الشام، ونقدم مختلف أنواع الخدمة لزائرين الامام الحسين في اربعينيته في مدينة كربلاء المقدسة، وليس لنا من تلك الواقعة سوى سيرتهم العطرة و الوضاءة في التعامل مع الناس، وكيف كانوا لهم ناصحين، وهداة ومصلحين، فكل حركة في الشارع، و كل كلمة تقال، و كل عمل في موكب خدمي، منظورة من قبل صاحب الذكرى (الامام الحسين) لأننا ندّعي وصلاً به، وكل ما نفعله تحت شعار “خدام الحسين”، و”خدمة الزائرين”، يجب أن تتطابق في صفاتها، مع صفات الامام الحسين وأهل بيته بالقدر الممكن طبعاً، وإلا لن نصل الى أخلاقهم السامية في كل الأحوال.

إن احترام حق المرور في الأزقة والشوارع من أصحاب المواكب الخدمية، وايضاً من أصحاب الخيام “الجوادر” بغية إسكان الزائرين، و الالتزام بالنظافة والحفاظ على البيئة، وعدم الإسراف في تناول الطعام والشراب وعدم رمي بقايا الأطعمة على قارعة الطريق، هذا فضلاً عن الالتزام بآداب الحديث، كل هذا وغيره مما يجعل الزيارة الأربعينية امتداداً حقيقياً لنهضة الأمام الحسين، ولرسالة أهل بيته من بعده؛ الامام السجاد وعمته العقيلة زينب، عليهما السلام، حتى تكون كل هذه الاعمال والممارسات مرآة لمن يريد معرفة ما جرى قبل أربعة عشر قرناً من الزمن من تضحيات من أجل إصلاح شأن الأمة وأن تكون على الصراط المستقيم.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا