كلمة رائعة لأمير المؤمنين عليه السلام لابنه الامام الحسن: “يا بني ان هذا الدِين متين فأوغل فيه برفق”.
دِين الله كخلق الله متين متوازن، ومتعادل، كل شيء فيه بدقة عالية، حتى لا يمكننا كبشر ان نقيس الدقة المتناهية في خلق الله ـ تعالى ـ، فلا يستطيع الانسان ان يعرف وظائف كل خلية! ايضا ولادات الناس كثيرة لكنك تجدها متوازنة ومتقاربة، وإذا كانت هناك حروب واضطرابات يكون عدد الذكور اكثر من الاناث.
فيما نحن فيه ينبغي ان يكون هناك توزان دقيق وجدي بين أمرين؛ بين ضرورة طاعة الله ما يتصل بها من طاعة أخرى كطاعة النبي وأهل بيته، وبين رفض طاعة الطاغوت، هذا التوزان نجده بشكل واضح في الآيات والروايات، الانسان قد يخضع للضغوط وممكن في لحظة من اللحظات يسترسل مع الطاغوت ويضله عن الطريق وتنطبق عليه الآية القرآنية: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}.
إذا انتبهنا الى النصوص التي تؤكد وتفرض علينا الطاعة المطلقة، يجب ان ننتبه الى النصوص التي ترفض طاعة غير الله وغير من أمر بطاعته: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.
ولذلك الذين لا يقفهون الدِين في بعض الاحيان تجدهم يسترسلون مع النصوص التي تنهاهم عن طاعة غير الله، ويحاولون اسقاطها في مورد طاعة الله، فيصبح هناك نوع من التمرّد، واصبح ما يسمى الجيل المتمرد غير المنتمي، الذي ليس لديه التزام، فطاعة الطاغوت ضلالة، وعدم طاعة الله ضلالة أيضا، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}.
ولاية المؤمنين لبعضهم
اين تتجلى ولاية الله؟
لا تتجلى ولاية الله فقط في النبي وأهل بيته، صلوات الله عليهم، أنما تتجلى في المؤمنين، المجتمع المؤمن مجتمع الولاية، اي ولاية بعضهم لبعض، وهذه الولاية ليس ولاية باسترسال إنما عن وعي، وولاية المؤمنين بعضهم لبعض مرتبطة في مدى التزامهم بالقيم وببصائر الدِين.
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} كثير من الايات القرآنية اذا ذُكر المؤمنون لا تذكر المؤمنات، فكما ان الرجل مسؤول في اختيار القيادة السليمة (المرجع) كذلك المرأة مسؤولة عن ذلك، لكن باعتبار هناك شبهة لدى البعض ان المرأة غير مسؤولة فهي تقلّد ما يُقلّد زوجها جاءت هذه الآية بكل وضوح {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ}.
إذا انتبهنا الى النصوص التي تؤكد وتفرض علينا الطاعة المطلقة، يجب ان نلتفت الى النصوص التي ترفض طاعة غير الله وغير من أمر بطاعته
{بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فلا فرق بين كبير وصغير، القريب او البعيد، قال النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله: “المسلمون تتكافئ دماؤهم..” الصورة السلبية المقابلة لهذا الامر نجدها في الولايات المتحدة الامريكية، حيث انه في ليلة الرأس السنة الميلادية يقوم بعض الشباب (السكارى) باحراق بعض النائمين في محطات القطار، لذلك يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “الناس صنفان إما نظير لك في الخلق او اخ لك في الدِين”. هذا الامر مرفوض في الإسلام.
{بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} الصلة بين المؤمنين هي القيم الالهية، واقامة الصلاة غير اداء الصلاة {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وهنا يتجلى التكافل الاجتماعي فيما بين المؤمنين. والخط العام لهم هو {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} هذه الشروط اذا توفرت فإنه {أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
الصلة بين المؤمنين ضمن اربع علاقات:
- علاقة التواصي: ويعني ان كل مؤمن ايّا كان يوصي المؤمنين الآخرين بالعمل بما امر الله، والتواصي فيه عدة فروع:
- الامر بالمعروف.
- النهي عن المنكر
- الدعوة الى الله {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
- النصيحة.
بعد اشتداد هذه العلاقة تكون قوة رصينة، وتكاملية{كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}، ثم تأتي العلاقة الثانية.
- التشاور: “أعقل الناس من جمع عقل الناس الى عقله” . “اعلم الناس من جمع علم الناس الى عمله”. مثلا لو ان مجموعة ذهبت الى الصحراء وكتب مشاهدته، هناك من يقول رأيت جبلا، والآخر يتكلم عن الطيور، والثالث عن الحيوانات. فكل واحد يركّز على شيء، ومعنى ذلك ان العقول ليست واحدة، والمعارف والعلوم ليست واحدة، والسبيل الى جعل تلك التجارب كتلة واحدة ورصينة هو التشاور {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} هذه تجعل العقول رصينة.
- التعاون: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المؤمنون في قمة التعاون فيما بينهم، ومع الأسف أننا بيعدون عن العصر الذهبي للإسلام وكيف كان التعاون فيما بين المسلمين الاوائل، وهذا الامر ـ مع الاسف ـ انحسر في زماننا. لذلك يجب أن يكون التعاون حاضرا بين المؤمنين في شتى مجالات الحياة، لانه يفتح آفاقا واسعة.
- الإحسان: في المجتمع هناك فجوات في المجتمع، يعني ان هناك فئات محرومة ومستضعفة، يعني ان البعض يعاني إما من الفقر المادي، او الفقر العلمي، وهنا يأتي دور الإحسان {وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.هذه الامور الاربعة تخلق مجتمعا إلهيا صحيحا
ولاية الله ليست كلمة تُطلق، بل ان الانسان يخضع لما يأمر الله، ومما أمر الله به ان نتحد، ونكون بنيان مرصوص، بحيث لا يستطيع احد اختراقنا.
ولاية الله تتجلى ايضا في ولاية النبي واهل بيته الطاهرين، والعلماء، ولابد من معرفة آفاق هذه الولاية، يعني طاعة النبي امتداد لطاعة الله، فما يأمر به الله يأمر به النبي. لذلك علاقتنا بالائمة لسيت علاقة عاطفية فقط، بل هي محاولة تمثّل شخصيتهم، ولذلك حين تكلم الامام الحسين عن علي الاكبر: كان اشبه الناس خَلقا وخُلقا برسول الله.
__________
مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي دام ظله
