في الأدبيّات الحسينية، توجد حزمة من القيم التي تم استخلاصها من أفكار وكلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، بحيث مع مرور الزمن أصبحت تجسد ثقافةً حسينيةً لها سماتها الخاصة، وقد تداول المفكرون الحسينيون مصطلحا يتكون من كلمتين يعبر عن النهضة الحسينية والقيم التي أكد عليها الإمام الحسين وطالب بغرْسها في عقول الشباب ومجمل العقول المسلمة بحيث تكونت منظومة من القيم الحسينية الفاعلة.
أما المصطلح الذي أشرنا إليه سابقا، وذكرنا بأنه يتكون من كلمتين فنقصد به (ثقافة عاشوراء)، ومن بين قيم النهضة الحسينية مقارعة اليأس والقنوط، والسعي لاستبدال ذلك بتحويل اليأس إلى مصدر قوة وسعي دؤوب، عبر صنع الإرادة الفردية والجمعية القادرة على مواجهة حالات القنوط والضعف إلى منطلقات فاعلة لقوة الإرادة، سواء عند الشباب أو عموم الفئات العمرية الأخرى.
كيف يمكن للشاب أو الإنسان صاحب الفئة العمرية الأخرى، أن يستلهم من النهضة الحسينية الإرادة الًُلبة التي بمقدورها أن تستنقذ الإنسان من مصيدة اليأس والاكتئاب، فهناك من يقول بأن اليأس والاكتئاب وجهان لعملة واحدة، كلاهما يحاولان أن يجعلا من إرادة الإنسان تقارب الصفر، واهية و واهنة حيث لا يمكن مواجهة أدنى الصعوبات بهذه الإرادة السلبية.
لذلك حينما يستعرض الشاب أو أي إنسان آخر، تجربة الإمام الحسين في رحلة الإقدام والإصرار على تحطيم اليأس وإعلان الرفض القاطع للقيم الفاشلة التي سعى يزيد لإشاعتها بين المسلمين، فإن هذا الشخص يمكنه استلهام هذه التجربة الثورية الإنسانية العميقة والمؤثرة، وبعد الإحاطة التامة والعميقة بسيرة سيد الشهداء (عليه السلام) والغوص في معانيها وتفاصيلها، سوف تتولد عند من يطالعها بتركيز تلك القناعة التامة بجدواها وأهميتها بل وعظمتها أيضا.
لأن أي إنسان يمر بما مرّ به الحسين، عليه السلام، سوف يُصاب باليأس حتما، نتيجة للنكبات المتلاحقة التي رافقت خروج الإمام في رحلة طويلة وشاقة من الحجاز إلى كربلاء، فهناك خيانات وانسحابات لرجال طلبوا بأنفسهم للحسين، عليه السلام، بالخروج من الحجاز، وهم يكونون جنده المخلصين وهذه الأعداد ليست قليلة بل تُعد بالآلاف، ومع ظاهرة الغدر ونكث العهود لمن أرسل للحسين كي يثور على يزيد ويع لطغيانه حدا، لكن نلاحظ عدم تسلل القنوط إلى إرادة الإمام، بل تضاعفت أضعافا، وصارت أصلب وأقوى.
إذا كانت هناك إرادة سلبية تدعم الشرّ وتسعى لتشويه العقائد والدين الإسلامي، فإن من يتدارس سيرة الإمام الحسين، عليه السلام، ونهضته المباركة بدقة وعمق، سوف يكون بإمكانه الإيمان بها عن قناعة، وبعد ذلك سوف يستطيع البدء والانطلاق في بناء إرادته الإيجابية الفاعلة
ليواصل الإمام، عليه السلام، رحلته نحو كربلاء، بعد أن أعلن على الملأ أهدافه العظيمة التي تجسدت بـ “الإصلاح في أمة جدي”، وقد قام الإمام بتحويل حالة اليأس والانكسار إلى نقطة انطلاق وتقدم إلى الأمام، لمواصلة التصدي للموجات الباطل التي بثها يزيد في كل مكان بعد أن سعى لتشويه العقائد، وتدمير القيم، وإبعاد الإسلام عن مساره الصحيح الحقيقي المتمثل بدين جده النبي المصطفى، صلى الله عليه وآله.
إذن هي مسألة إيمان، وقدرة على استلهام المسيرة الصحيحة، وبناء الإرادة الإيجابية القادرة على التصحيح و وضع النقاط على حروفها، وإذا كانت هناك إرادة سلبية تدعم الشرّ وتسعى لتشويه العقائد والدين الإسلامي، فإن من يتدارس سيرة الإمام الحسين، عليه السلام، ونهضته المباركة بدقة وعمق، سوف يكون بإمكانه الإيمان بها عن قناعة، وبعد ذلك سوف يستطيع البدء والانطلاق في بناء إرادته الإيجابية الفاعلة، إرادة الوقوف إلى جانب الخير والعمل الصالح الذي لا يمكن من دونه بناء أمة ذات إرادة جمعية إيجابية.
وهكذا نأمل بحق، أن يتوجه الشباب بشكل أخصّ، والفئات العمرية الأخرى، إلى استلهام مفردات وخطط ومضامين النهضة الحسينية، لأن السبيل الأسرع والأقصر الذي يقود المسلمين نحو بناء إرادتهم ودولتهم، بالإضافة إلى مشاركتهم في جعل العالم يعيش بطريقة أحسن وأكثر استقرارا وتعاونا والتزاما. وإذا كان الإمام الحسين، عليه السلام، قد خرج على اليأس والظلم منذ قرون طويلة وبنى الإرادة القوية الحرة، فحريٌّ بشبابنا اليوم، وهم يمثلون الأجيال الصاعدة، أن يستلهموا الدروس اللازمة من النهضة الحسينية، وأن يركزوا بقوة على هذا الهدف، لأن الإنسان بلا إيمان ولا إرادة إيجابية، لا يمكنه أن يحافظ على كرامته، ولا على حقوقه ولا على حياته، لماذا، لأنه لم يسعَ لبناء إرادته الجيدة السليمة، لهذا عليه أن يستلهم الدروس من النهضة الحسينية لبناء إرادته الفردية الإيجابية وإرادة الأمة الإسلامية.
