لم تقتصر التربية الإسلامية على بناء علاقة الإنسان مع ربه ونفسه فحسب وإنما توسعت بذلك لتشمل الآخرين وذلك لان الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة لذا نجد الشريعة الإسلامية تؤكد عليه أن لا يمارس حقوقه على نحو يمس بحقوق غيره وذلك من خلال تنظيم العلاقة بينهما ومن هذه القيم:
١ – قيمة الحق:
وتعني قيمة الحق العمل بمقتضى الشرع والعقل والحكمة وهو الصدق واليقين والشيء الثابت بلا شك وهو نقيض الباطل، وللحق مظاهر مختلفة منها الالتزام بالحقوق الإلهية والحقوق الاجتماعية كما أن هناك الحقوق الشخصية.
ولقد أعطت السيدة زينب كل ما تملك في سبيل إحقاق الحق ورد الباطل والدفاع عن قيم وثوابت الإسلام؛ فقدمت أولادها شهداء على طريق الدفاع عن الحق وأهل الحق، وتحملت الأذى، والأسر، والجوع، والعطش، والضرب والغربة في رحلة تثبيت قيم الحق والفضيلة ومواجهة الباطل والظلم والفساد، كما لم تغفل السيدة زينب عن حقوق الآخرين وكانت لها الأولوية في حياتها كحق الإمامة الذي كانت تدين به لأخيها الإمام الحسين وحق الزوج وفي مضمار الحقوق الزوجية لها هذا الكلام: “أن جدي المصطفى، صلى الله عليه واله، شرع لنا حقوقا لأزواجنا وعلى الرجال حقوقاً مفروضة”.
٢- قيمة الصبر
وقيمة الصبر تعني احتمال المكاره من غير فزع، وقسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل والقيم النبيلة، والصبر الممدوح هو حبس النفس على تحمل المشاق تسليماً لأمر الله تعالى، وأفضل أنواع الصبر ترك الذنوب والصبر على الطاعة والصبر على البلاء.
ولقد حفلت حياة السيدة زينب له منذ طفولتها بالمحن العظيمة التي استدعت منها الصبر والصمود، ففي طفولتها الباكرة فقدت جدها رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأمها الزهراء ثم تواكبت المحن بشهادة أبيها علي الله والغدر بأخيها الحسن او شهادته مسموما.
ولقد تآزرت كل أنواع الشدائد والألم عليها في واقعة كربلاء من القتل، والسبي، والترويع، والجوع، والعطش، وكانت قمةً في الصبر والثبات على الحق ومواجهة الأعداء بصلابة وشموخ ليس لها في العالم نظير، وصبرت السيدة زينب وهي تواجه نيران الأعداء التي أحرقت المخيم لتذود الأطفال عن النار، وفي أثناء مسيرة السبي تحملت ضربَ السياط، وكعب الرماح من دون أن تتوسل بالعداء أو تخضع لهم أو تستجدي منهم عطفا ورحمة، بل كانت عليهم سيفاً و غضبا بفكرها المحمدي وبلاغتها العلوية وشموخها الحسيني.
٤ – قيمة الوفاء
قيمة الوفاء تعني التزام الإنسان بما شرط ووعد به بصورة كاملة وصادقة، ومن صور الوفاء حفظ العهود، والأسرار، والالتزام بالوعود، والمواثيق وأداء حق الإنسان الذي صنع معه الجميل والمعروف.
ولقد ضربت السيدة زينب مثلاً عالياً في الوفاء بالوعود التي التزمت بها وتعاهدت عليها، وأبرزها هي الوفاء بوعدها في الحفاظ على عيال الإمام الحسين، بعد قتل رجالهم من قبل الأعداء والمحافظة عليهم من القتل، ودورها الكبير في الحفاظ على الإمامة من خلال تصديها لكل المحاولات التي كانت ترمي إلى اغتيال الإمام السجاد حتى أنها قالت للشمر (لعنه الله) عندما أراد قتل الإمام السجاد: “لا يُقتل حتى اقتل دونه”.
لقد تآزرت كل أنواع الشدائد والألم عليها في واقعة كربلاء من القتل، والسبي، والترويع، والجوع، والعطش، وكانت قمةً في الصبر والثبات على الحق ومواجهة الأعداء بصلابة وشموخ ليس لها في العالم نظير
وفي أحلك الظروف وأشدها قسوة لم تنسَ الوفاء بما أوصت به أمها الزهراء من تقبيل نحر الحسين وشم صدره، هكذا فعلت في ظهيرة عاشورا وبين جيوش الأعداء وتزاحم الموت، ولقد كانت غاية في الوفاء لأخيها الحسين عندما التزمت بوصاياه؛ بأن لا تشق عليه جيباً، ولا تشمت به الأعداء، ولا تخرج إلى مصرعه بين الأعداء وان تحافظ على عياله، وان لا تدع الإمام السجاد الله يخرج للحرب حتى لا ينقطع نسل رسول الله.
5- قيمة العمل
قيمة العمل تعني بذل الجهد المنتج لتحقيق فائدة مرجوة ونبذ الكسل والاتكالية واللامبالاة، واقتران القول بالفعل مع إتقان العمل وأجادته، وكانت السيدة زينب تقدس العمل المثمر، وتمارس أقدس الأعمال وأشرفها وأكثرها نفعا وفائدة، وهي لا تهدف من ورائه أن تحقّق أرباحاً لنفسها، بل غايتها نفع الآخرين، فقد كانت مرجعا للسيدات من نساء المسلمين في شئونهم الدينية، وكان لها مجلس خاص بالكوفة تلقي فيه محاضرات في تفسير القرآن الكريم وقد نابت عن الإمام السجاد خلال فترة مرضه للإجابة عن المسائل الشرعية.
٦- قيمة التضحية
و تعني بذل الإنسان كل ما يملك في سبيل الله والمصلحة العامة للمجتمع، وتقبّل الخسائر والأذى في سبيل تحقيق الأهداف السامية والقيم النبيلة، والاستهانة بالنفس والمال والأولاد لتحقيق الحق ورد الباطل، ولقد ضحّت السيدة زينب بكل ما تملك في سبيل أعلاء كلمة لا اله إلا الله ونذرت نفسها وأولادها وراحتها وسعادتها من اجل أن تنتصر أرادة الحق ودحر الباطل.
ولكي تعلو راية الإسلام فقد قدمت أولادها للشهادة ولم تخرج إليهم عند استشهادهم، وتركت بلدها ومسقط رأسها وبيت زوجها الثري وتخلت عن أموالها وأرحامها، وضحت بالغالي والنفيس في سبيل انتصار إرادة السلام والخير والفضيلة، وتعرضت إلى الخوف والأذى في رحلتها إلى كربلاء والى الشام وخلال أيام معركة الطف ورحلة السبي والعودة من الشام، كما تعرضت قبل ذلك إلى نيران حرق الخيام عندما تعلق بها الأطفال لحمايتهم من النيران أو من خيول الأعداء، وعانت العطش هي وأهل بيتها عندما منعهم القوم من الماء.
وبعد واقعة كربلاء كانت السيدة زينب، عليها السلام، في حزن دائم وبكاء مستمر وحداد عظيم حتى احدودب ظهرها، وابيضَّ شعرها، ووهنت قوتها، إلا انها لم تفتر عن ذكر أخيها الإمام الحسين.
7- قيمة التعاون
وتعني مشاركة الآخرين ومساعدتهم في قضاء حوائجهم وإتمام أعمالهم دون مقابل، وكذلك المشاركة بين أبناء المجتمع الواحد لتحقيق المنفعة العامة ورعاية مصالح المحتاجين والفقراء وأبناء السبيل والأيتام والجيران.
وقد كانت قيمة التعاون واضحة جلية في سلوك السيدة زينب عندما كانت تتولى مسئوليات عظيمة وخطيرة وشاقة من اجل نفع المجتمع، وتحقيق السعادة، والخير، والصلاح لإفراده دون ان تنتظر الشكر والجزاء على مواقفها بل كان اكبر همها هو رضا الله تعالى.
لقد كانت عوناً لأخيها الإمام الحسين في ثورته الإصلاحية وجاهدت جهاداً لم يعرف التاريخ مثله في مرارته وأهواله وتبنّت جميع مخططات الثورة وأهدافها، وهي التي أبرزت قيمها الأصيلة في خطبها التاريخية في أروقة الحكم الأموي، فحركت الرأي العام، وأوجدت وعياً أصيلاً كان من نتائجه الثورات الشعبية المتلاحقة التي أطاحت بالحكم الأموي.
وهي التي رعت أطفال الحسين وعيالها بعد استشهاده ودافعت بكل ما تملك عن بقية الإمامة، وكانت أثناء المعركة تدخل إلى ساحة الحرب لعدة مرات المهمات أخلاقية وواجبات إنسانية حتى ان الإمام الحسين، عليه السلام، عندما عاد بصغيره عبد الله الرضيع مذبوحاً ذهب وراء الخيام ونادى أخته زينب لتمسك بجثمان الرضيع لكي يخرج الإمام خشبة السهم من نحر الطفل.
8- قيمة الصدق
وقيمة الصدق تعني مطابقة الواقع قولاً وفعلاً في الظاهر والباطن، ويكون الصدق في العزم من خلال التصميم على فعل الخير، والصدق في النية، ويكون بالإخلاص من الله تعالى وحده، وقد تلازم الصدق بين أقوال السيدة زينب وأفعالها تلازماً وثيقاً، وهي السيدة العالمة الثقة التي نقل عنها أهل البيت وعلماء المسلمين الأحاديث التي روتها عن جدها رسول الله وعن أبيها وأمها.
9- قيمة الأمانة:
وتعني المحافظة على حقوق وممتلكات الآخرين وكل شيء يأتمنون عليه ومن مظاهرها الحفاظ على أسرار الناس، والعهود، والمواثيق، وحفظ الودائع والأمانات، فالأمين من يؤمنه الناس على أسرارهم وممتلكاتهم وودائعهم.
ولقد نالت السيدة زينب لقب الأمينة بكل جدارة واستحقاق، ولهذا استودعها الإمام الحسين أمانةً عظيمة، وهي الحفاظ على بقية أهل البيت وهو الإمام علي بن الحسين السجاد حتى لا ينتهي نسل إلى محمد في الأرض.
فكانت العقيلة هي الأمينة على الإمامة وهذا غاية الفخر والعز كما استودعها أخاها الحسين الحفاظ على عياله وأهل بيته بعد استشهاده، فضرب أروع الأمثال في الحفاظ والحرص على أداء الأمانة فلقد دخلت وسط النيران لتحمي الأطفال والنساء.
١٠ – قيمة الإيثار
تعني بذل الإنسان ما لديه في سبيل الآخرين رغم الحاجة الماسة إليه، وهو نكران للذات في سبيل تحقيق السعادة والنفع للآخرين، ويعد الإيثار أعلى درجات الكرم والسخاء والجود لانه تفضيل الآخرين على النفس.
ولقد أعطت السيدة زينب الأروع الدروس في الإيثار في معركة كربلاء عندما آثرت أخيها الإمام الحسين بأعز ما لديها وهم أولادها، وأفلاذ أكبادها، وقد ألبستهما بيديها لباس الحرب وأمرتهما بنصرة الإمام الحسين، ومجاهدة أعداءه وتقديم أنفسهم فداءً لأجله.
كانت السيدة زينب تقدس العمل المثمر، وتمارس أقدس الأعمال وأشرفها وأكثرها نفعا وفائدة، وهي لا تهدف من ورائه أن تحقّق أرباحاً لنفسها، بل غايتها نفع الآخرين
وهي قبل هذا كله كانت تتمنى ان تفدي أخيها بنفسها من اجله فقالت ليلة العاشر: “ليتهم يقبلون بقتلي أنا بدل أخي الحسين”، ولم يكن للإيثار عند زينب حد فلقد آثرت أطفال أخيها برغيف الخبز الذي كان يقدمه لهم جيش ابن زياد وبقيت جائعة حتى بان عليه الضعف.
١١ – قيمة العدل:
وتعني وضع الشيء في موضعه بعيداً عن الظلم لتحقيق المساواة بين الناس وهو خصلة نفسية تردع صاحبها عن الظلم وتحفزه على أداء حقوق الآخرين، ولقد سعت السيدة زينب إلى تطبيق العدل في كل مرحلة من مراحل حياتها، وبالخصوص من خلال ما بذلته من جهود وتضحيات في رحلتها مع أخيها الإمام الحسين؛ حيث أعلنت في خطبتها في مجلس يزيد بن معاوية استهجانها ورفضها للظلم، وذكّرت بالعدل الذي أماته سلاطين الجور من بني أمية عندما خاطبت يزيد قائلة: “أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول قد هتكت ستورهن وأبديت وجوهن”.
لقد جسدت السيدة زينب عليها السلام، كل القيم التربوية والاخلاقية، سواء كان في جانب علاقة الانسان مع نفسه، او في علاقته مع الله، أو في علاقته مع المجتمع، وهذه سلسلة تتكامل فيها القيم التربوية، فعندما تكون علاقة الانسان مع الله متينة فإن قوة هذه العلاقة ستنتقل الى بقية العلاقات الأخرى عند الانسان، سواء مع نفسه، او مع المجتمع من حوله، فالتمحور حول الايمان يصلح أحوال الانسان الأخرى.
__________________
من كتاب: القيم التربوية في سيرة السيدة زينب عليها السلام
