في متبنيات الفكر الإنساني لطالما كان الفخر الزائف يمثل حجاباً دون النهوض والتطوير، بل يكون مشجعاً لدعم الإنسان على أن يرسم لنفسه صورة فخرية لفكرة معينة أو جماعة معينة، وهذا ما يحول دون الانفتاح على الآخر والتلاحم والتلاقح الفكري بين ثقافات و ايديولوجيات المجتمع المختلفة.
وهذا ما تواجهه اغلب حركات النهضة في الأمة؛ فـ “الأنا” تأخذ حيزاً من شخصية هذا المجتمع إلى أن تجعل الإنسان هو محور الحركة، وهذا ما يذكره القرآن الكريم بأن استغناء الإنسان والنظر إلى نفسه نظرة فخر تجعله يطغى، فضلا عن جملة من الروايات الداعية إلى ترك هذه الصورة “الافتخارية” الفارغة.
وهذا ما عالجه امير المؤمنين، عليه السلام، في بعض خطبه، فيقول: “ولأن يكونوا عِبَراً أحقّ من أن يكونوا مُفتخراً”، أي لابد للإنسان أن يضع نفسه في إطار المُعتَبِر لا في إطار المُفتخِر، والفرق تشير إليه جملة من الآيات الكريمة:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ}، و {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً}، {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ}، على عكس الفخر؛ ثمة آية واضحة: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، واذا ترى أن تكرر الآيات لمفهوم واحد هو الاعتبار، ما يبرهن على أهمية هذا الموضوع و اثره على بنية وتماسك المجتمع، لأن الفخر احيانا يكون محركا لجذور الصفات الأخلاقية الذميمة مثل الحسد والحقد والكبر، وهذا أخطر إذ يؤدي بحياة الى التهلكة والتيه.
ومن خلال التتبع العميق لكلمات أهل البيت، عليهم السلام، نجد دعوةً صريحةً إلى التواضع ونبذ الفخر الفارغ، حيث إنهم رسموا للإنسان طريقاً واضحاً نحو الكمال النفسي والاجتماعي من خلال بناء الذات على أساس الاعتبار لا الافتخار، وعلى أساس معرفة حدود النفس وموقعها ضمن سياق أوسع من الحياة والتكليف والمسؤولية.
ولذلك كان التواضع مفتاحاً من مفاتيح النجاة، وسبباً أساسياً في تحصين النفس من أمراض القلوب، ويؤكد أمير المؤمنين، عليه السلام، أيضا هذا المعنى بقوله: “ما لابن آدم والفخر أوله نطفة، وآخره جيفة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة”.
إن أرادت الأمة أن تنهض وتبني مستقبلها، لا بد أن تتحرر من قيد الفخر الزائف، وتتبنّى خطاب التواضع والاعتبار، كما أرشدتنا النصوص القرآنية والنهج المحمدي العلوي
وهذا تذكير صريح آخر بحقيقة الإنسان، ومحاولة لكسر الغرور الذي قد ينمو في قلبه، حينما يغيب عنه إدراك حجمه الحقيقي في هذا الوجود.
ولعلّ من أهم آثار التفاخر السلبي في المجتمعات، أنه يعمّق الانقسام ويشجع على العصبية، فيتحول الانتماء إلى جماعة أو قوم أو الى فكر معين، إلى وسيلة لإقصاء الآخر بدل التفاعل معه، وهو ما يحذّر منه الإسلام في نصوصه، ويؤكده التاريخ حين نرى كيف أن الأمم التي تملّكها الغرور، آلت إلى الزوال بعد أن فقدت قدرتها على الحوار والتجدد والانفتاح.
ولهذا فإن معالجة حالة التفاخر لا تكون فقط عبر الخطاب الأخلاقي، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع ثقافي وتربوي، يبدأ من الأسرة، ويمر بالمؤسسات التعليمية، وينتهي إلى الخطاب العام الذي يصوغ وجدان المجتمع.
ولابد من تعزيز ثقافة الاعتبار بدل ثقافة الافتخار، وهي ثقافة تقود الإنسان إلى أن يرى في كل حدث وتجربة موطناً للعبرة، وفي كل شخص مرآةً يتعلم منها، لا منصةً يتعالى فوقها. وفي الختام، فإن أمتنا، إن أرادت أن تنهض وتبني مستقبلها، لا بد أن تتحرر من قيد الفخر الزائف، وتتبنّى خطاب التواضع والاعتبار، كما أرشدتنا النصوص القرآنية والنهج المحمدي العلوي، لأن في هذا النهج ضمانة لحفظ وحدة المجتمع، وتزكية الفرد، وتفعيل طاقات النهضة الحقيقية التي لا تنشأ إلا حينما يكون الإنسان صادقًا مع نفسه، منفتحًا على الآخر، باحثًا عن الحقيقة لا عن المجد الزائف.
