أظهرت الحوراء زينب، عليها السلام، إرادةً حديديةً في إدارة الملف الإعلامي في معركة الطف، وتمكّنت من فضح الطاغية يزيد، وكشفت كل محاولات الخداع التي مارسها هو وبطانته الكاذبة عندما حاول أن يوهم الناس بأن أحفاد وحفيدات النبي، صلى الله عليه وآله، هم من الخوارج، لكنّ الصوت الزينبي المؤمن كان قويا كاشفا للزيف، وفاضحا للتضليل الإعلامي البغيض الذي قام به جلاوزة يزيد لاختلاق قصص وحكايات كاذبة.
إن التطرق إلى مواجهة التضليل الإعلامي الأموي يتطلب تسليط الضوء على جانبين مهمين:
الجانب الأول: إدارة المعركة الإعلامية
فقد كانت السيدة زينب الحوراء، عليها السلام، تدرك الأهداف والوسائل الخبيثة لماكنة الإعلام المضاد، حيث حرفوا كل شيء وأوهموا الناس بأن (السبايا) لا يمتّون بأية صلة بالرسول، صلى الله عليه وآله، وإنما هم مجموعة خارجة على القانون هدفها معارضة (الخليفة)، وانطلاقا من هذا الفهم الزينبي تضاعفت عملية الإدراك لهذا الخبث وأهدافه، وكان لابد من توضيح ما يجري للمجتمع عموما خصوصا بعد عملية التضليل الإعلامي الواسعة التي تعرض لها هؤلاء الناس، مما جعل الصوت الإعلامي الزينبي يتصدى بقوة لكل الأكاذيب والفبركات التي انطلت على الكثير من الناس في الشام.
وهذا ما حدث بالضبط عندما وقفت السيدة الحوراء زينب، مستحضرة ذلك الامتداد (البلاغي) العظيم لأبيها علي بن أبي طالب، عليه السلام، صاحب أعظم كتاب على مر التاريخ وهو (نهج البلاغة) الذي كان ولا يزال وسوف يبقى يضيء عقول الناس بدرر الحِكَم، وينير الدروب المتعرّجة في الحياة، واستحضرت الحوراء زينب ذلك الإرث الخطابي المؤثر والبليغ لخطب أمها فاطمة الزهراء بنت الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.
وكانت الخطوة الإدارية الإعلامية الأولى هي فضح يزيد في عقر داره وفي مجلسه وبحضور أعوانه، وكانت الخطبة الزينبية التي عرّت وفضحت أكاذيبهم. فقد جاء في المصادر عن الخطبة الزينبية:
(فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب، فقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}.
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى ان بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا، أنسيت قول الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}
” أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي).
لقد تم توظيف الإرث العلمي والبلاغي الخالد في دحض أكاذيب يزيد وجلاوزته، كما استمدت الحوراء زينب، عليها السلام، قوة إرادتها من ذلك الإرث النبوي العلوي الذي منح صوتها قوة الإرادة الحديدية التي لم تتراجع أمام جبروت الكذب والتزييف والتضليل الإعلامي
لقد ذُهِل الحاضرون مما سمعوا في هذه الخطبة الصادقة التي كشفت الحُجُب عن عقول وقلوب الناس بسبب الحملات الإعلامية المكثفة القائمة على التشويه والتزييف وقلب الحقائق رأسا على عقب، حتى أن يزيد نفسه ظلَّ مصعوقا مما سمعه من قوة الصوت وجدارة الموقف وثبات القلب، فصار ضعيفا مهزوزا أما الحاضرين، بل حتى أمام نفسه شعر بضآلة نفسه أما قوة الحق الزينبي وجدارته وانتمائه العظيم لتلك الشجرة النبوية المحمدية الخالدة.
الجانب الثاني: الإرادة الحديدية
لقد ذكرت المصادر التاريخية الموثوقة ذلك التأثير المباشر والقوي للصوت الزينبي في مجلس يزيد، حيث أخذت الحوراء زينب، عليها السلام، على عاتقها مواجهة أكاذيب الماكنة الإعلامية ليزيد، وفضحها، واعتمدت في ذلك على إرثها العلمي العظيم، فهي حفيدة (مدينة العلم) رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهي ابنة (باب مدينة العلم) علي بن أبي طالب، عليه السلام، تبعا للحديث النبوي الشريف (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
لقد تم توظيف هذا الإرث العلمي والبلاغي الخالد في دحض أكاذيب يزيد وجلاوزته، كما استمدت الحوراء زينب، عليها السلام، قوة إرادتها من ذلك الإرث النبوي العلوي الذي منح صوتها قوة الإرادة الحديدية التي لم تتراجع أمام جبروت الكذب والتزييف والتضليل الإعلامي، بل تمكنت من نسفه من جذوره، وتعريته أمام الملأ، عندما واجهت يزيد بقوة (أهل البيت) المعهودة، هذه القوة القائمة على صدق الشواهد، وريادة العقل، وامتلاء القلوب بالإيمان والفضيلة.
ثم رفعت السيدة زينب كفّيْها إلى الله تعالى، وقالت بصوتها الذي استمد قوته من قوة الحق:
“اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا، فو الله ما فريت الا جلدك، ولا حززت الا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”.
بهذه الإرادة الزينبية القوية، المقرونة بسلامة الإدارة للمعركة الإعلامية، تمكنت الحوراء زينب عليها السلام من أن تضع النقاط على الحروف، وتعيد الأمور إلى نصابها، وتضع يزيد ومن معه في موضع الشكوك والاتهام لأنهم كذبوا على الناس، وأثبتوا بأنهم أساءوا لمن نوَّر عقولهم، واستنقذهم من الجهالة وحيرة الضلالة، ونقلهم من شر الظلام إلى نور العلم.
