إن التربية الإسلامية تريد للفرد أن ينمو نموا متوازنا داخل نفسه من خلال ضبط سلوكه وتكوين الرقابة الذاتية لديه نتيجة نمو الضمير المحاسب الذي يمتثل لأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، فقد جاء الإسلام لتطابق أحكامه وشرائعه وآدابه مقتضى الفطرة البشرية، وإذا اختلفت علاقة الإنسان بنفسه فإنها ستوثر حتماً في حياته، وسعادته، وصحته، وكذلك في علاقته مع ربه وعلاقته مع الآخرين، وفي ضوء الحديث عن الشخصية التربوية للسيدة زينب، سلام الله عليها، الحديث في هذا المقال عن بعض القيم التربوية التي تميزت به السيدة زينب، في ضوء تكوين العلاقة بين الانسان ونفسه:
1 – قيمة العلم:
قيمة العلم تعني إدراك الشيء بحقيقته ومعرفته على ما هو عليه وهو نور يقذفه الله في قلب من يحب، وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وقد تمتّعت السيدة زينب بقدرات علمية فائقة منذ فجر صباها، فقد حفظت القرآن الكريم، وأحاديث جدها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، فيما يتعلق بأحكام الدِين وقواعد التربية وأصول الأخلاق.(السيدة زينب، باقر شريف القرشي).
وكانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين في حال غيابه فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعية، ونظراً لسعة معرفتها كان الإمام زين العابدين يروي عنها، كما روى عنها عبد الله بن جعفر، وفاطمة بنت الحسين، ولما كانت في الكوفة في أيام أبيها أمير المؤمنين، عليه السلام، كان لها مجلس خاص تزدحم عليه السيدات وكانت تلقي عليهن محاضرات في تفسير القرآن الكريم، كما كانت المرجع الأعلى لنساء المسلمين حتى أن ابن عباس حبر الأمة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي اليها وكان يعتز بالرواية عنها فيقول حدثتنا عقيلتنا زينب بنت علي. (مقاتل الطالبيين، الاصفهاني).
2 – قيمة الشجاعة
وتعني الجرأة والإقدام وقوّة القلب والصمود بوجه التحديات ومواجهة الإخطار، وهي ضد الجبن والتخاذل، وتكون الشجاعة باللسان، واليد، والموقف، والقلم، ولم يشهد التاريخ في جميع مراحله أربط جأشاً، ولا أقوى جنانا من الأسرة النبوية الكريمة، فالإمام علي عميد العترة الطاهرة كان من أشجع خلق الله، وهو القائل: “لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها”. (بحار الانوار، ج21)
وكان ولده أبو الأحرار الإمام الحسين مضرب المثل في شجاعته وبسالته، فقد حيّر الألباب، وأذهل العقول بشجاعته، وصلابته، وقوة بأسه فقد وقف يوم العاشر من محرم موقف لم يقفه احد من أبطال العالم ولم ينهار إمام النكبات المذهلة إلى كانت تعصف به فكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلما ازداد الموقف بلاء ومحنة.
وتمثلت شجاعة أهل البيت بكل صورها وألوانها في حفيدة رسول السيدة زينب من الاستهانة بالموت، وارخاص الحياة من اجل الحفاظ على قيم الإسلام، ومُثُله والحفاظ عليها من الطمس والتشويه والانحراف وكانت جبلاً في وقوفها بوجه المحن والآلام التي واجهتها، ولم يلمح في مواقفها التخاذل أو التنازل ولعل موقفها مع ابن زياد، واحتقاره لها، واستهانتها بها خير دليل على ذلك عندما اندفع هذا الشخص بإظهار الشماتة بها في مجلسه وهي في حال الأسر قائلاً: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وكذب أحدوثتكم فانبرت له لسيدة زينب بكل شجاعة وصلابة للرد عليه قائلة: “الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وطهرنا من الرجس تطهيرا إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا يابن مرجانة. (تاريخ الرسل والملوك،ج: 6، الطبري).
3- قيمة العقل :
وقيمة العقل تعني ما نميّز به الحسن من القبيح والخير من الشر، وما يكون به التفكير والاستدلال، والعقل جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها وهو غريزة تزيد بالعلم والتجارب، وأفضل شيء لتنمية العقل هو التعليم، وكانت السيدة زينب هي من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة الذين خصّهم الله بالعقل الوافر، واللب الكامل والفكر الكبير، فكانت تمتاز بوفرة عقلها وحكمتها ولذلك لقبت بـ (العاقلة) و (عقيلة بني هاشم)، وكانت مواقفها كلها شاهد صدق على ذلك حيث تركت الدنيا وما فيها من اجل نصرة الدين ورفع شعائر السلام ومبادئه الحقة.
ومن خلال عقلها ووعيها أكملت الثورة التي خطط الإمام الحسين إلى تحقيقها فكانت خطبها واحتاجتها دليل على العقل الواعي والتفكير المنطقي السليم الذي أراد إظهار الحق وطمس الباطل.
4 – قيمة الحكمة:
الحكمة تعني العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه والعمل بمقتضاها، والتحكّم العقلاني في السلوك، ووضع الأقوال، والأفعال في أحسن مواضعها، والحكمة هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم.
ولقد تميّزت السيدة زينب بالتصرف العقلاني والتدبير الحكيم في تسيير أمور حياتها، وعند الحكم على الأشياء، فكانت تختار ارفعها وأكملها وأصوبها وأجملها، وكانت من ابرز سماتها حكمتها في منطقها، وبلاغتها في قولها والإصابة في فعلها الذي ينم عن عقل واسع وحكمة بالغة.
قيمة العقل تعني ما نميّز به الحسن من القبيح والخير من الشر، وما يكون به التفكير والاستدلال، والعقل جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها وهو غريزة تزيد بالعلم والتجارب، وأفضل شيء لتنمية العقل هو التعليم
ولقد اتضحت حكمتها في اختيارها الخروج مع أخيها الإمام الحسين في نهضته للإصلاح ومسيرته إلى العراق، ومشاركته في أعباء النهوض بهذه المسئولية العظيمة والخطيرة.
5- قيمة العزة والكرامة
العزة هي ان يجعل الإنسان نفسه في منازل الرفعة والاحترام من غير تكبر وطغيان وترك إظهار الاحتياج إلى الناس، والعزيز من يجنب نفسه عن المواقع التي تسبب له الذل والاهانة والسخرية والاستهزاء.
ولقد ورثت السيدة زينب من جدها وأبيها العزة والكرامة والإباء فلم تخضع لأي احد مهما قست الظروف فقد حملت بعد مقتل أخيها الحسين من كربلاء إلى الكوفة سبيه مع بنات رسول الله، وقد نهب جميع ما عليهن من حلي وما عندهن من أمتعة وقد اضر الجوع بأطفال أهل البيت ونسائهم فترفعت العقيلة زينب إن تطلب من أولئك السفاحين من شرطة ابن زياد شيئا من الطعام لهم، ولما انتهى موكب السبايا إلى الكوفة وعلمن نساء المدينة إن السبايا من أهل بيت محمد سارعن إلى تقديم الطعام إلى الأطفال الذين ذوت أجسامهن من الجوع، فانبرت السيدة زينب مخاطبةً نساء أهل الكوفة قائلة: “الصدقة محرمة علينا أهل البيت، ولما سمع الأطفال عمتهم ذلك القوا ما في أيديهم وأفواههم من الطعام واخذ بعضهم يقول لبعض إن عمتنا تقول الصدقة حرام علينا أهل البيت”.(السيدة زينب، باقر شريف القرشي).
6 – قيمة الحرية
قيمة الحرية تعني انعتاق الإنسان وتحرره من أَسر الرق والعبودية، وتمتعه بحقوقه المشروعة وهي القدرة على اختيار وتحديد الموقف وحرية الرأي والتصرف وتشمل الحرية الدينية والمدنية وحرية الدعوة الإسلامية (نشر التوعية الإسلامية وإرشاد المسلمين والقيام بالتثقيف والإصلاح).
العزة هي ان يجعل الإنسان نفسه في منازل الرفعة والاحترام من غير تكبر وطغيان وترك إظهار الاحتياج إلى الناس، والعزيز من يجنب نفسه عن المواقع التي تسبب له الذل والاهانة والسخرية والاستهزاء
ولقد مارست السيدة زينب حريتها بكل وعي وإدراك دون إن تضطرها الضغوط والشدائد إن تلين أو تضعف أو تتنازل عن مواقفها وقيمها الأصيلة، كما مارست حرية الدعوة الإسلامية ونشر ثقافة الإصلاح والتهذيب ومحاربة الرذيلة والاستعباد وكان اختيارها هو الطريق الأوحد دون إن تستكين أو تستسلم للإرهاب والقتل ولقد كانت حرة أبية في مواقفها من الظلم والطغيان
7- قيمة الحياء
تعني انحصار النفس وامتناعها عن ارتكاب المحرمات الشرعية والعقلية والأخلاقية حذراً من الذم واللوم وهو: إن لا تقول قولاً ولا تفعل فعلاً تعلم انه لا يرضي الله تعالى ولا يرضي الناس من حولك.
والشخص صاحب الحياء يتجنب الظهور بمظهر النقص إمام الله تعالى وأمام الناس ولقد كانت السيدة زينب على قدر عال من الحياء ليس له شبيه أو نظير وهذا ما يؤكده حديث يحيى المازني إذ يقول: كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدة مديدة وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب فلا والله ماريت لها شخصا ولا سمعت لها صوتا.( النقدي، حياة السيدة زينب).
8- المحاسبة (تقويم الذات)
وتعني مراقبة النفس وتقويمها كل يوم عما عملته من الطاعات او المعاصي وهي تستلزم متابعة النفس وصيانتها عن ارتكاب المحرمات، وتبدأ المحاسبة من مسالة أداء الواجبات والفرائض والحقوق والمحاسبة على اقتراف الآثام والمخالفات بحق النفس والآخرين. وكانت السيدة زينب الله تراقب نفسها وتدأب على محاسبتها في كل أفعالها وأقولها وتحرص على تقويم ذاتها تطبيقا للحديث الوارد عن أهل البيت وهي من سادات أهل البيت: “ليس منا من لم يحاسب نفسه”.
ولم يقف الأمر عند مسالة أداء الواجبات بل ألزمتْ نفسها بالأمور المستحبة حتى في أحلك الظروف قسوة، فلقد أدّت النوافل ليلة الحادي عشر، وهي أصعب اليالي في حياتها، وبعد استشهاد أهل بيتها في كربلاء كانت تحاسب نفسها وتلومها كيف بقت على قيد الحياة بعد هذه المصائب وهي تصف حالها لنساء أهل المدينة عندما طلبن منه الحديث عن مصائب كربلاء قائلة فلو شرحت لكن ماجرى علينا يوم عاشوراء صغارا وكبارا وما جرى على رجالنا من قتل وسلب وعلى نسائنا من سبي او اسر ونهب للمتني كيف بقيت في الحياة مع كل ذلك ولم أمت من شدة المصاب وعظم الفاجعة.
__________________
من كتاب: القيم التربوية في سيرة السيدة زينب عليها السلام
