عندما نتأمل في سيرة إمامنا زين العابدين، علي بن الحسين، عليه السلام، نرى في البدئ أن لحادثة الطف تأثيرا على حياته الكريمة، فأخذ الحزن والبكاء مأخذه منه لما رآه في معركة الطف، ولكن المرض والتقدير الالهي حال دون قتاله مع أبيه، فصار إمام البكائين، وسيد الساجدين، بل صار هذا الحزن منهجا تربويا ترجم في ادعيته ومناجاته العظيمة الذي ضُمّنَ في صحيفة تحوي أدعيته المليئة بالتقرب إلى الله، والتضرع والكلمات النورانية سُميت بالصحيفة السجادية.
فمن مناجاة العارفين التي يقول فيها: “واجعلنا ممن تعلقت أشجار الشوق في حدائق صدورهم”، إلى دعاء أبي حمزة الثمالي، الذي كان يدعو به حال سجوده فيقول: “إِلهِي لا تُؤدِّبنِي بِعُقُوبَتِكَ وَلا تَمكُر بِي فِي حِيلَتِكَ، مِن أَينَ لِيَ الخَيرُ يا رَبِّ وَلا يُوجَدُ إلاّ مِن عِندِكَ وَمِن أَينَ لِيَ النَّجاةُ وَلا تُستَطاعُ إِلاّ بِكَ”، وإلى مناجاة التائبين التي يقول فيها: “الهي البستني الخطايا ثوب مذلتي وجللني التباعد منك لباس مسكنتي وأمات قلبي عظيم جنايتي”.
و اذا اطلعتَ على دعاء مكارم الاخلاق سترى العجب العجاب، كيف يعلمنا معادلات مكارم الاخلاق الرائعة فيذكر في رد الإساءة بالاحسان: “وسَدِّدنِي لِأَن أُعَارِضَ مَن غَشَّنِي بِالنُّصحِ، وأَجزِيَ مَن هَجَرَنِي بِالبِرِّ، وأُثِيبَ مَن حَرَمَنِي بِالبَذلِ، وأُكَافِيَ مَن قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ، وأُخَالِفَ مَنِ اغتَابَنِي إِلَى حُسنِ الذِّكرِ، وأَن أَشكُرَ الحَسَنَةَ، وأُغضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ”.
وها هو في دعاء الأمن يعلمنا لدفع المهمات والصعاب: “يَا مَن تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ المَكَارِهِ، ويَا مَن يَفثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدَائِدِ، ويَا مَن يُلتَمَسُ مِنهُ المَخرَجُ إِلَى رَوحِ الفَرَجِ”.
إضافة إلى منظومة أدعية شاملة لجميع حالات وأحوال الإنسان عند الحضر والسفر، و في طلب الرزق والعافية، وفي دفع النقم وطلب المغفرة بعد الصلاة تعقيباً، وعند طلب الرزق تحميدا، وعلى العافية شكراً وتمجيدا.
فكان، عليه السلام، يتكلم من خلال مناجاته، ويبث آلامه وهمومه التي كان يحملها معه من الطف، مضيفاً إليها همّ الأمة التي كان أمامها وسيدها التي إلى الآن تنعم ببركة هذه الأدعية، فإذا قرأت أكثر وفتشت بين السطور التي أخفيت عمداً، سترى أنه كان محركاً للأمة، وملهما لثوراتها، ومربياً لطلائعها، متحدياً لطغاتها.
وتخيل أننا كأمة لم نفِ حقَّ هذا الامام المعصوم العظيم، بل والى الان، واذا قيل لأحدنا الامام السجاد، نقول هو ابن الإمام الحسين، عليهما السلام، ولا نعرف اكثر من ذلك، غير أنَّ هذا الامام ترك لنا إرثا إسلاميا لا يوجد مثيله، ولا يعرفه إلا من ارتشف من نبع المناجاة، و رتع في رياض القرب.
حتى ابن أمية؛ الوليد بن عبد الملك، عندما رأى إجلال وتوقير الناس لابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو يستلم الحجر في موسم الحج، قال من هذا؟! ومع أنه يعرفه، فجاءه الردّ على لسان الشاعر الفرزدق :
هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ
وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذا اِبنُ خَيرِ عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ
هَذا التَقِيُّ النَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ
هَذا اِبنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ
بِجَدِّهِ أَنبِياءُ اللَهِ قَد خُتِموا
فلم يتحمل الوليد الكم الهائل لهذه الفضائل، كما لم يتحمل آباءه فضائل جدّه؛ أمير المؤمنين، عليه السلام، لاسباب معروفة، فدسّ إليه السُمّ، فأستشهد في الخامس والعشرين من محرم الحرام، بأبي هو و أمي.
فسلاماً عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.
