بصائر

كيف نواجه التحديات الحضارية (6) الطاعة في ميزان القرآن الكريم

حديثنا في سياق الحديث عن التحديات التي نواجهها وسبل التغلّب عليها، في المقال السابق كان الحديث: ان الحياة عبارة عن صراع {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ}، ومن لم يستعد للصراع يُصرع، ومن لم يستعد لاستجابة التحديات، فإن الاخرين يتحدونه.

استمرارا لهذا الحديث، ولحديث الولاية، ومنافعها، واهدافها، ومنها ولاية المؤمنين لبعضهم البعض التي هي فرع من فروع ولايتهم لربهم ـ سبحانه وتعالى ـ وولايتهم للنبي وأهل بيته

 في هذا السياق نتحدث عن موضوع مهم؛ هو ان الدِين فطرة الانسان، بالاضافة الى أنه فطرة، فقد نصر الله هذا الدِين وانتشر، 98% من البشرية يعتقدون بالاله، وحينما تم التنقيب في المدن الأثرية كانوا يجدون في بعض القرى ما لا يجدونه في القرى الاخرى، الشيء الوحيد وُجد في تلك القرى المنقَبة أنه كان فيها معبد، سواء كان مسجدا، كنيسة، بِيعة، مما يدلّل رسوخ فطرة الدِين عند البشرية منذ آلاف السنين.

 ولكن الشيء المهم؛ أن هذا الدِين نزل ليكون سلاحا بيد المستضعَفين ضد المستكبرين، بيد المظلومين ضد الظالمين، وبدل ان يكون كذلك، وبسبب الشيطان الرجيم، تحوّل الى سلاح معكوس؛ الطغاة، والمجرمين واشباههم، استغلوا الدِين أبشعَ استغلال، وأسوأ الجرائم التي وقعت في التاريخ كانت باسم الدِين، ونشهد اليوم الجرائم التي تقع في غزّة باسم الدِين.

الاسرائيليون لديهم عقيدة بأن هؤلاء الناس ليسوا بشرا، ويتصورون ان ما يفعلونه هو الخير! وفي عقيدتهم ان الله خلق البشر لخدِمة اليهود، واما ان الناس صاروا مثل الانسان حتى لا يستوحش اليهودي! ولا زالوا يقتلون الابرياء ويفتخرون بذلك.

وبالعودة الى التاريخ وبالذات ما جرى على الإمام الحسين، عليه السلام، وقال قد الإمام الحسن عليه السلام: يا ابا عبدالله يزدلف اليك ثلاثون الف يتقربون الى الله بسفك دمك. ونجد كيف ابن سعد كان يجيّش الناس على الإمام باسم الدِين، وقال في بعض كلماته: يا خيل الله اركبي”.

الحروب الصليبية التي راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر، وهدموا البلاد، ودامت الحرب لعشرات السنين باسم الدِين.

السبب في ذلك ان الاسلام لا يؤمر بالطاعة المطلقة، والروايات التي اختُرعت وابتُدعت عن رسول الله في طاعة اي واحد يكون حاكما هذا الامر لا علاقة له بالدِين ولا بالقرآن الكريم، والشيطان يعمل على تحريف النص الديني سواء كانت آية او رواية، ولذلك القرآن الكريم دقيق جدا في النهي لعدم الطاعة لغير الله في محاربة الطاغوت، ومحاربة الانحراف الذي يتوجه الى الدِين.

لذلك في روايات اهل البيت عليهم السلام، يكون الحديث عن الطاعة دقيقا، حتى فيما يرتبط بطاعة العلماء، لذلك الرواية في تقليد التقليد صريحة وواضحة: “فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم”.

الاسلام لا يؤمر بالطاعة المطلقة، والروايات التي اختُرعت وابتُدعت عن رسول الله في طاعة اي واحد يكون حاكما هذا الامر لا علاقة له بالدِين ولا بالقرآن الكريم

الطاعة ليست لمن هبَّ ودب،  قال الإمام العسكري (عليه السلام) – في صفة علماء السوء: “وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي (عليهما السلام) وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء علماء السوء… يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم”.

لذلك يحب الحذر في مسألة الطاعة، فلا طاعة ـ مثلا ـ لمن حمل السيف مع غض الطرف عن شخصيته ومن هو، والمفارقة الصعبة في كيف ولمن نطيع، فلابد ان نكون حذرين ومحتاطين في تناول الاحاديث، مثلا في الحديث عن العلماء: “فإذا حكم بأمرنا” يعني لابد ان يكون العالِم ملتزما بما جاء عن أهل البيت عليهم السلام، وفي الاسلام وفي التشيّع بالذات رقابة جماهيرية على القادة.

الطاعة حقا لله أما طاعة الرسول فهي امتداد لطاعة الله، وكذلك طاعة الامام امتداد لتلك الطاعة، قال الامام المهدي، عجل الله تعالى فرجه: “فإنهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم.

إن المؤمن يجب ان يكون واعيا للحقائق وبالذات في مسألة الطاعة، لذلك فالأمة رقيبة على العلماء، فنجد إذا كان هناك خطأ ـ مثلا ـ عند أحد العلماء فتكون لديه فتوى بغير ما في كتبه، فإنه يتم الاعتراض عليه، حتى في حالة الثقة بالعالِم (القائد) يكون المؤمن متوكلا على الله متبصرا في دينه، ومع كل ذلك هناك تأكيدات في النصوص الدينية في اتّباع الولاية الالهية.

______________

مقتبس من محاضرة لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي دام ظله

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا